أخطر ما يصيب القضايا العادلة أن تتحول إلى سجون سياسية مغلقة
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
في التاريخ الإنساني قضايا عادلة كثيرة خسرت جزءاً من عدالتها بسبب سوء الإدارة السياسية، والقضية الفلسطينية واحدة من أكثر الأمثلة قسوة في العصر الحديث. فالمأساة الفلسطينية لم يصنعها الاحتلال وحده، رغم مسؤوليته الأساسية والمباشرة والكبرى عن هذه المأساة، بل ساهمت فيها أيضاً حسابات خاطئة، وشعارات مرتفعة الصوت قليلة الحكمة، وقيادات اعتادت البقاء في مواقعها أكثر مما اعتادت مراجعة نفسها أو عرض أعمالها للمساءلة. حجر الزاوية لا مناص من القول إن الفكر والسلوك الصهيوني، الذي اعتمد العلمية والاستفادة من الفرص وأخطاء الآخرين، إضافة إلى المساندة الغربية التي انتقلت من لندن إلى باريس ثم إلى واشنطن، كان له حجر الزاوية في تثبيت المشروع الإسرائيلي إلى درجة أن أحد المؤرخين الجدد في إسرائيل قال: "لولا بريطانيا لما نشأت إسرائيل ولولا أميركا لما استمرت". لكن رد الفعل العربي والفلسطيني في مراحل كثيرة لم يكن ذا بعد علمي وعملي بقدر ما غلبت عليه العاطفة والانفعال السياسي. بل وفي بعضه الخرافات. تلك العاطفة لم تستطع قراءة المتغيرات الكبرى التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، ولا فهم التحولات العميقة في النظام الدولي، ولا حتى استيعاب أثر الانقسامات العربية وتناقض المشاريع السياسية في المنطقة. على مدى عقود طويلة عاش الفلسطينيون وسط الألم والحروب والتهجير والوعود المؤجلة. ومع كل جولة صراع كان المواطن العادي يدفع الثمن الأكبر، بينما بقيت البنية السياسية الفلسطينية عاجزة عن إنتاج مراجعة حقيقية تعترف بالأخطاء أو تعيد التفكير في المسار كله. في السياسة، الاعتراف بالفشل جزء من النضج، أما تحويل الخطأ إلى عقيدة ثابتة فهو بداية التآكل الطويل. كانت هناك محطات اقترب فيها الفلسطينيون من انتزاع مكاسب سياسية مرحلية، لكن تلك اللحظات ضاعت تحت ضغط الشعارات أو الرهانات غير الواقعية والمزايدات. بعد حرب أكتوبر 1973 حدث تحول مهم في التفكير الدولي تجاه الصراع العربي - الإسرائيلي. أدركت القوى الكبرى أن استمرار النزاع يهدّد الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة، وبدأت تظهر أفكار أكثر واقعية للوصول إلى تسويات تدريجية. في تلك اللحظة، كان يمكن البناء على المناخ الدولي الجديد، خاصة مع التحرك المصري نحو استعادة الأرض عبر السياسة بعد الحرب، إلا أن الاعتقاد بأن ما هو قائم قد يكون دائماً لم يكن حصيفاً؛ فبعد فترة صرف العالم نظره عن الشرق الأوسط ليهتمّ بقضايا أكثر إلحاحاً له. ثم جاءت لقاءات ومؤتمرات، من بينها مؤتمر "مينا هاوس" في القاهرة أواخر السبعينيات، كمحاولة لفتح مسار تفاوضيّ للقضية الفلسطينية ضمن ترتيبات إقليمية أوسع. لكنّ جزءاً من الخطاب السياسي العربي والفلسطيني رأى في أي نقاش سياسي تنازلاً كاملاً، بينما كانت إسرائيل تتحرك ببراغماتية أعلى، تستفيد من الوقت، وتستثمر في الوقائع على الأرض، وتفهم موازين القوى الدولية بصورة أدق. ومع الزمن تحولت التنظيمات الفلسطينية إلى كيانات مغلقة لكل منها مصالحه وحساباته الخاصة. غابت المراجعة، وتراجعت فكرة المسؤولية السياسية، وبقيت القيادات نفسها رغم تغير الظروف وتبدّل الوقائع. الأخطر أن بعض هذه التنظيمات بات يتعامل مع النقد باعتباره خيانة، لا ضرورة وطنية. المرحلة الحالية ربما تكون الأخطر في تاريخ القضية الفلسطينية، ليس فقط بسبب حجم الدمار والخسائر، بل بسبب طبيعة الأوهام السياسية التي يجري تسويقها. جزء من الرأي العام الفلسطيني، ومعه قطاع من الرأي العام العربي، يعيش على رهان أن إيران سوف تنهض بالقضية الفلسطينية أو تدافع عنها بصورة حاسمة. حسابات القومية أولاً؟ هذه القراءة أقرب إلى التفكير الغيبي منها إلى التحليل السياسي الواقعي. الشواهد العملية تقول إن إيران تستخدم القضية الفلسطينية بوصفها أداة للتجنيد السياسي والتوسع الإقليمي أكثر من كونها قضية تحرر إنساني. فطهران، منذ عقود، تستثمر في شعار فلسطين لبناء النفوذ، وتوسيع الأذرع، وكسب الشرعية في الشارع العربي، لكنها لم تقدم مشروعاً واقعياً قابلاً للحياة للفلسطينيين أنفسهم. بل إن تجارب المنطقة أظهرت أن أولويات الدولة الإيرانية تبقى مرتبطة بحساباتها القومية والأمنية قبل أي اعتبار آخر. السياسة الحديثة لا تبنى على الأمنيات، ولا على الشعارات العقائدية. العالم يتحرك وفق المصالح والقدرة على بناء التحالفات والمؤسسات والاقتصاد والاستقرار، أما تحويل القضية الفلسطينية إلى منصة للمزايدات الإقليمية، فقد أضر بالقضية أكثر مما خدمها، وترك الفلسطيني العادي بين احتلال قاس، وقيادات عاجزة، ومشاريع إقليمية تبحث عن النفوذ. لا توجد قضية عادلة محصّنة ضدّ سوء الإدارة. فالحق يحتاج أيضاً إلى عقل بارد، وإلى قراءة دقيقة للواقع، وإلى شجاعة في مراجعة الأخطاء قبل أن تتحول المأساة إلى حالة دائمة. والأوطان لا تنقذها الأوهام… بل الحقائق. مهما كان الرأي في ما بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 يبقى المتغير الأهمّ أن العديد من الشعوب العالمية أصبحت أكثر تفهماً للقضية، وأكثر وعياً للمظلومية التي وقعت وتقع على الفلسطينيين. المؤسف أن التحالفات الخطأ - كما هي العادة - والسير وراء الشعارات، وتجاوز المراجعة والمحاسبة من جديد، تُخسّر القضية الفلسطينية الزخم الدولي الذي تكوّن بعد أحداث أكتوبر 2023، وكذلك من جديد إدارة القضية تدخل في مأزق بسبب سوء الإدارة السياسية والفرقة القاتلة حتى أصبح وجود "الفصيل" أهم من إنقاذ الناس.



