اختناق الطّاقة… هل يصبح المتوسّط بديلاً اضطرارياً لهرمز؟
مع تلاشي أي أفق سياسي أو عسكري واضح وموثوق لحل أزمة إغلاق مضيق هرمز، وإمكانية دخول مضيق باب المندب والبحر الأحمر على خط الأزمة، تتجه الأنظار نحو البحر المتوسط كخيار بديل لنقل البترول والغاز من دول الخليج إلى العالم، وكذلك كمسرح محتمل لتكثيف عمليات التنقيب عن مصادر جديدة للطاقة.
وقد عزز خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب للأمة الأميركية بشأن إيران، مساء الأربعاء، المخاوف من استمرار الحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، في 28 شباط/فبراير الماضي، بما يرسّخ سيناريو أزمة طاقة طويلة الأمد.
اختناق الطاقة… أزمة تتجاوز المضائق
تسبب استهداف طهران السفن التي تحاول العبور من مضيق هرمز في أزمة طاقة عالمية، إذ إن إغلاق المضيق الذي يمر عبره نحو 25% من صادرات البترول والغاز العالمية، أدى إلى عجز كبير في الإمدادات ودفع الأسعار إلى الارتفاع السريع.
وخلال الأيام الأخيرة، دخل مضيق باب المندب على خط الأزمة، وبات مهدداً بالإغلاق، إثر مشاركة الحوثيين في المواجهات العسكرية، ما وسّع نطاق الخطر من الخليج إلى البحر الأحمر.
وفي هذا السياق، لم تعد الأزمة مقتصرة على تدفقات الطاقة، بل امتدت إلى حركة الملاحة العالمية، مع تصاعد المخاطر الأمنية على السفن التجارية.

أزمة لوجستية… ضغط بشري وبيئي
يرى الخبير الدولي في النقل البحري واللوجستيات القبطان عمرو قطايا أن البحث عن بدائل استراتيجية طويلة الأمد، مثل التنقيب في شرق المتوسط وشمال أفريقيا، لا يلغي أولوية معالجة الأزمة الحالية.
ويقول قطايا لـ"النهار": "تم احتجاز أكثر من 2000 سفينة في الخليج العربي، وما يقارب 20 ألف بحار يواجهون مخاطر حياتية وضغوطاً نفسية ونقصاً في الغذاء ومياه الشرب، وهذه كارثة تتطلب تدخلاً عاجلاً".
ويحذر من أن استهداف ناقلات النفط، بما في ذلك المتوقفة في مياه الخليج، قد يؤدي إلى تلوث واسع في هذه البيئة شبه المغلقة، ما يهدد الحياة البحرية ومصادر المياه المحلاة في المنطقة.
شرق المتوسط… فرصة قديمة بظروف جديدة
من جانبه، يشير الخبير الدولي في أسواق الطاقة الدكتور رمضان أبو العلا إلى أن شرق المتوسط ليس اكتشافاً طارئاً، بل منطقة واعدة منذ عام 2010، شهدت اكتشافات دفعت شركات الطاقة العالمية إلى توسيع استثماراتها ضمن مساحة تقارب 83 ألف كيلومتر مربع.
ويقول أبو العلا، لـ"النهار"، إن المنطقة تضم المياه الاقتصادية لدول عدة، بينها لبنان، سوريا، مصر، قبرص، اليونان، وإسرائيل، وعمليات التنقيب فيها لا ترتبط مباشرة بالحرب الحالية، لكنها تكتسب اليوم أهمية مضاعفة.
ويلفت إلى أن إنتاج الخليج الذي كان يبلغ نحو 20 مليون برميل يومياً قبل الحرب، انخفض بنحو 12 مليون برميل إلى 13 مليوناً، ليخرج حالياً نحو 7 ملايين فقط، ما عمّق فجوة الإمدادات العالمية.
ويضيف أبو العلا أن المسار الوحيد المتاح حالياً لنقل النفط يتم عبر خط "غرب–شرق" في السعودية إلى ميناء ينبع، ثم إلى ميناء العين السخنة في مصر، قبل ضخّه عبر أنابيب شركة "سوميد" إلى ميناء سيدي كرير على المتوسط، ومنه إلى أوروبا.

صراع المسارات… إسرائيل ومصر على خط البدائل
في موازاة ذلك، طرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أفكاراً وصفها بـ"المثيرة للاهتمام" لنقل النفط والغاز من الخليج إلى البحر المتوسط عبر إسرائيل.
ويقول الباحث في الشؤون الإسرائيلية وائل الغول، لـ"النهار"، إن هذا الطرح يعكس توجهاً استراتيجياً لتطوير مسارات بديلة، سواء عبر خطوط برية تمر بالسعودية والأردن، أو من خلال تطوير خط إيلات–عسقلان، الذي تصل طاقته التقديرية إلى نحو 600 ألف برميل يومياً.
ويرى أن "تصريحات نتنياهو تحمل رسائل متعددة الاتجاهات، تستهدف دول الخليج وأوروبا والولايات المتحدة، في محاولة لتقديم إسرائيل كممر بديل للطاقة، مع الإقرار الضمني بأن مصر تمثل المنافس الطبيعي في هذا المجال".
في المقابل، يجمع خبراء تحدثوا إلى "النهار" على أن أي مشروع تشارك فيه إسرائيل سيبقى عرضة للاستهداف، ما يحدّ من جدواه الاستراتيجية على المدى القريب.
مصر… الخيار الأكثر واقعية؟
تنقل الشركة العربية لأنابيب البترول "سوميد"، المملوكة لمصر والإمارات والسعودية وقطر، نحو 2.5 مليون برميل يومياً، ما يمنح القاهرة موقعاً متقدماً في معادلة نقل الطاقة.
ومع وجود محطتي "إدكو" و"سيجاس" لتسييل الغاز، إضافة إلى شبكة موانئ وطرق متطورة، يبرز خيار تحويل مصر إلى مركز لوجستي إقليمي كطرح أكثر واقعية، وقابلاً للتنفيذ ضمن شراكة عربية أوسع.
في المحصلة، لا يبدو أن البحث عن بدائل لمضيق هرمز هو خيار استراتيجي طويل الأمد فقط، بل بات ضرورة عاجلة تفرضها حرب أعادت رسم خريطة الطاقة العالمية تحت النار.





