... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
307513 مقال 217 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 6015 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانيتين

أحمد الفقيه العجيلي يكتب: الثروة الحيوانية في عُمان (2): الأعلاف المحلية بين الندرة والبدائل

العالم
شؤون عمانية
2026/05/03 - 13:51 501 مشاهدة

أحمد الفقيه العجيلي – شؤون وطنية

 

 

تُعدّ الأعلاف من أهم ركائز الإنتاج الحيواني، لما لها من تأثير مباشر على الكلفة وجودة الإنتاج واستدامته. فهي لا تمثل مجرد مدخل زراعي، بل حلقة أساسية تربط بين المزرعة والحظيرة وسوق المستهلك، وأي اختلال فيها ينعكس على بقية المنظومة الإنتاجية.

 

وفي عُمان، يبرز ملف الأعلاف بوصفه أحد أبرز التحديات التي تواجه المربين، إذ تتشابك فيه قضايا المياه والمناخ والأسعار والسياسات الزراعية، ما يجعله عنصرًا حساسًا في معادلة الأمن الغذائي الوطني.

 

اطلعتُ خلال إعداد هذا المقال على عدد من الدراسات والتقارير ذات الصلة، وتشير إلى أن الأعلاف تمثل النسبة الأكبر من كلفة الإنتاج الحيواني، وأن المربين يواجهون صعوبات متزايدة في تأمين احتياجاتهم من الأعلاف الخضراء والجافة، نتيجة ارتفاع الأسعار ومحدودية الإنتاج المحلي. وقد أدى ذلك إلى زيادة الاعتماد على الأعلاف المستوردة، ما جعل هذا القطاع الحيوي أكثر تأثرًا بتقلبات الأسواق العالمية وتكاليف النقل والشحن.

 

وقد كشفت اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية خلال السنوات الأخيرة أن الاعتماد الكبير على الخارج في المواد العلفية يعرّض المربين لتقلبات مفاجئة في الأسعار والتوفر، وهو ما يجعل تعزيز البدائل المحلية خيارًا استراتيجيًا، وليس مجرد خيار اقتصادي.

 

ورغم الجهود الحكومية المبذولة في السنوات الأخيرة لتوسيع زراعة الأعلاف، فإن المساحات المزروعة لا تزال محدودة، خصوصًا في ظل شحّ المياه وارتفاع كلفة التشغيل. فالأعلاف الخضراء، مثل البرسيم، تحتاج إلى وفرة مائية لا تتناسب مع طبيعة الموارد في كثير من المناطق، وهو ما يضع المزارعين والمربين أمام تحدٍ مستمر.

 

وفي ظل تراجع منسوب المياه وارتفاع ملوحتها في سهل الباطنة، اتجهت الجهات المختصة إلى نقل مزارع الحشائش تدريجيًا نحو منطقة النجد بمحافظة ظفار، حيث تتوافر مساحات واسعة ومياه جوفية أكثر ملاءمة للزراعة العلفية. وقد أُنشئت هناك شركة النجد للتنمية الزراعية بهدف تعزيز الإنتاج المحلي وتخفيف الاعتماد على الاستيراد، غير أن المشروع واجه تحديات تشغيلية وفنية حدّت من تحقيق الأهداف المرجوة.

 

ومع ذلك، لا تزال منطقة النجد من أبرز المناطق الواعدة في إنتاج الأعلاف، نظرًا لاتساع مساحاتها وملاءمة ظروفها الزراعية. كما يواصل عدد من المزارعين زراعة الحشائش بجهود فردية أسهمت في تلبية جزء من احتياجات السوق المحلي من الأعلاف الجافة، وعزّزت حضور المنطقة كمصدر محتمل لتقليص الفجوة العلفية مستقبلًا.

 

وفي المقابل، تبرز فرص واعدة للاستثمار في الأعلاف المحلية البديلة. فقد بدأت بعض المبادرات باستخدام محاصيل أقل استهلاكًا للمياه، مثل الذرة الرفيعة والسورغوم وحشائش الرودس والشعير المستنبت، وهي تجارب تُظهر إمكانية التوسع فيها بجدوى اقتصادية وبيئية، خاصة في المناطق ذات المناخ الجاف. كما يمكن الاستفادة من المخلفات الزراعية والغذائية – بعد معالجتها – كمصدر علفي إضافي يسهم في تقليل الفاقد وتحقيق قدر أعلى من الاستدامة.

 

ومع تنامي الاستثمارات العُمانية في قطاعات الأمن الغذائي خلال الأعوام الأخيرة، يبرز ملف الأعلاف بوصفه الحلقة الأهم في نجاح أي توسع حيواني، إذ لا يمكن الحديث عن زيادة الإنتاج دون قاعدة علفية مستقرة.

 

وفي هذا السياق، تبقى الأعلاف المركزة الحلقة الأعلى كلفة في معادلة الإنتاج، إذ يعتمد عليها المربّون بشكل واسع لما توفره من قيمة غذائية وسهولة في التخزين والنقل. وتعتمد الشركات المحلية في تصنيعها على مواد خام مستوردة، مما ينعكس على الأسعار ويزيد من الأعباء على المربين، كما تُستورد كميات من الأعلاف الجاهزة، لتظل السوق مرتبطة بتقلبات الأسعار العالمية ومواسم التوريد.

 

وهنا يبرز تساؤل مشروع: لماذا لا يُستفاد من أراضي النجد وغيرها من المناطق المناسبة في زراعة بعض المواد الخام للأعلاف المركزة، مثل الذرة الصفراء والشعير ومحاصيل بديلة قابلة للتكيّف مع البيئة المحلية؟ فالتوسع في هذا الاتجاه قد يسهم في تخفيف كلفة الإنتاج، ودعم الأمن الغذائي، وتقليل الفاتورة الاستيرادية المتنامية.

 

وتُظهر تجارب بعض الدول الخليجية أن تحقيق توازن نسبي في سوق الأعلاف ممكن عبر إدخال تقنيات حديثة، كالزراعة المائية (الهيدروبونيك)، والزراعة الرأسية، وإعادة تدوير المياه، وهي نماذج يمكن تكييفها مع البيئة العُمانية بما يحدّ من الهدر ويعظّم الإنتاج. وفي هذا السياق، أعلنت المملكة العربية السعودية عن مشروع “مدينة الثروة الحيوانية” في حفر الباطن، الذي يتضمن مرافق متكاملة لإنتاج اللحوم والأعلاف والخدمات البيطرية، مع طاقة إنتاجية كبيرة للأعلاف، بما يؤكد أن ملف العلف لم يعد نشاطًا منفصلًا، بل جزءًا من منظومة إنتاج غذائي متكاملة.

 

إن تعزيز الإنتاج المحلي من الأعلاف لا يقتصر على تقليل الاستيراد، بل يمثل جزءًا أساسيًا من منظومة الأمن الغذائي التي تربط بين المزارع والمربي والمستهلك.

 

ورغم ما تبذله وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه من جهود لتطوير زراعة الأعلاف وتحسين السلالات الحيوانية، إلا أن التحدي ما زال قائمًا، ويتطلب تنسيقًا أوسع مع القطاع الخاص والمراكز البحثية والجامعات، لإيجاد حلول عملية تتلاءم مع شحّ المياه والتغيرات المناخية.

 

التحدي اليوم لا يتوقف عند إنتاج الأعلاف، بل في القدرة على إدارتها بشكل مستدام. فهذه السلسلة، من الحقل إلى الحظيرة، مترابطة بشكل يجعل أي خلل فيها ينعكس على الإنتاج والسوق معًا.

 

وعندما تتأثر الأعلاف، لا يبقى الأثر داخل المزرعة فقط، بل يمتد إلى السوق؛ في الأسعار، وفي قدرة المربي الصغير على الاستمرار، وفي حجم الفجوة الغذائية التي تتسع تدريجيًا.

 

ولهذا، فإن النظر إلى الأعلاف كملف ثانوي لم يعد كافيًا. هي في الحقيقة نقطة البداية في سلسلة الغذاء، وأي استثمار فيها ينعكس مباشرة على ما يصل إلى مائدة الإنسان.

 

يتبع في الجزء الثالث: سلالات الماشية في عُمان بين الأصالة والتحسين الوراثي.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤