أحداث السقيلبية.. النبوءة التي تحقق ذاتها
أحمد عسيلي
شهد المجتمع السوري خلال الفترة الماضية توترًا اجتماعيًا على خلفية حادثة وقعت في مدينة السقيلبية بريف حماة الغربي، ووفق الروايات المتداولة، اندلع خلاف بين مجموعة من الشبان، سرعان ما تطور إلى استدعاء أقارب ومعارف فيما أصبح يُعرف حاليًا بـ”الفزعات”، ما أدى إلى هجوم على المدينة ذات الأغلبية المسيحية، تخلله تكسير سيارات ومحال تجارية، دون تسجيل ضحايا، مع ورود معلومات عن إصابة شابين بجروح متفاوتة.
تعددت الروايات حول الأسباب المباشرة للحادثة، إلا أن معظم الشهادات أشارت إلى أنها لم تكن ذات طابع ديني في بدايتها، قبل أن يتغير مسارها لاحقًا مع دخول ناشطين ومؤثري وسائل التواصل الاجتماعي على خط الحدث، حيث انتشرت عشرات القراءات التي أعادت تفسيره، كل وفق زاويته الخاصة.
بغض النظر عن أسباب هذه الحادثة، فقد أعادت إلى السطح ظاهرتين أعتقد أنهما تستحقان التوقف عندهما، لخطورتهما الشديدة على مستقبل البلاد، الأولى تتعلق بانتشار منطق “الفزعات” في المجتمع السوري، وما يحمله ذلك من تهديد مباشر للنسيج الاجتماعي ولمفهوم الدولة نفسها، فهذا المنطق، القائم على التضامن الفوري خارج إطار القانون، لم يعد محصورًا في بيئات عشائرية أو مناطق هامشية، بل بدأ يتسلل إلى مراكز المدن، حيث يُفترض أن يكون الاحتكام لمؤسسات الدولة، هذا التحول لا يعكس مجرد امتداد جغرافي لظاهرة اجتماعية، بل يشير إلى تراجع في مرجعية الدولة لمصلحة أشكال أولية من التنظيم الاجتماعي، تعيد إنتاج روابط ما قبل الدولة داخل فضاء يُفترض أنه تجاوزها، وقد عانى السوريون من نتائج هذا المنطق سابقًا، كما في حالة السويداء، التي لا تزال تداعياتها مفتوحة حتى اليوم، ما يجعل من الضروري أن تتعامل الدولة والمجتمع مع هذه الظاهرة بوصفها أزمة بنيوية، لا مجرد حوادث متفرقة.
أما النقطة الثانية، وهي الأهم، فتتعلق بطريقة قراءة ما حدث، فمعظم التفسيرات التي قُدمت للحادثة تذكّرنا بما صاغه روبرت ميرتون في مفهوم “النبوءة التي تحقق ذاتها”، والتي أصبحت لاحقًا جزءًا من المفاهيم المتداولة في علم النفس الاجتماعي. يشير ميرتون إلى أن التوقعات المسبقة، حتى وإن كانت غير دقيقة في بدايتها، يمكن أن تتحول إلى قوة فاعلة تدفع الأفراد والجماعات إلى التصرف بطريقة تجعل هذه التوقعات تتحقق فعليًا، المثال الكلاسيكي الذي استخدمه كان اقتصاديًا، حين تؤدي إشاعة حول إفلاس بنك إلى اندفاع المودعين لسحب أموالهم، ما يؤدي فعليًا إلى انهياره، لكن ما يهم في الحالة السورية ليس فقط إنتاج الحدث، بل أيضًا تثبيت معناه قبل وقوعه.
فالسياق العام في سوريا اليوم يبدو وكأنه مهيأ لتوقع صدام ما بين السلطة والمكوّن المسيحي. منذ فترة، يتكرر الحديث عن “حلف الأقليات”، ورغم أنه ليس له وجود فعلي على أرض الواقع، ولا حتى في التحالفات السياسية، مع ذلك، لقي هذا المصطلح جاذبية خاصة لدى المتطرفين من الطرفين، لأنه يؤكد طريقة قراءتهم للأحداث، فتبنّوه كإطار جاهز لفهم ما يجري، غير أن هذا التصور بقي ناقصًا، إذ لم يكن هناك توتر مباشر بين السلطة والمجتمع المسيحي، وكأننا أمام شكل غير مكتمل يسعى الذهن، بشكل شبه آلي، إلى إتمامه، وفي هذا السياق، جاءت بعض القرارات الأخيرة، كحصر بيع واستهلاك الكحول في مناطق محددة، لتمنح هذا التصور دفعة إضافية، عبر إعادة ترسيم المجتمع ضمن خطوط طائفية واضحة، وتعزيز شعور بالغبن لدى بعض الأطراف، مقابل شعور بالشرعية لدى أطراف أخرى.
في ظل هذا المناخ، لم تعد الحوادث تُقرأ بوصفها وقائع مستقلة، بل كأدلة تؤكد ما كان متوقعًا مسبقًا، وهذا ما حدث في السقيلبية، فبمجرد وقوع الحادثة، اندفعت القراءات نحو تفسيرها ضمن هذا الإطار الجاهز، بغض النظر عن طبيعتها الأصلية أو أسبابها المباشرة، لم يكن الأمر يتعلق فقط بما حدث، بل بكيفية استقباله وإدراجه فورًا ضمن سردية أكبر، وهنا تتحول “النبوءة” من مجرد توقع إلى عدسة قراءة، تعيد تشكيل الواقع وتضخّمه.
ورغم أن فتيل الفتنة أُخمد سريعًا، بفضل تدخل فاعلين اجتماعيين من الطرفين، تمتعوا بقدر كافٍ من النضج و”الكاريزما”، فإن ما تلا ذلك لم يكن كافيًا لطمأنه الجميع، بل على العكس، بدا أن نتائج الحادثة لم ترضِ شريحة واسعة، خاصة في ظل حديث عن تفاوت في تعامل السلطة بين الأطراف، دون إمكانية التحقق الدقيق من مدى صحة هذه الادعاءات، وهذا بحد ذاته يعكس عمق الأزمة، حيث لا تعود المشكلة في الحدث، بل في المناخ الذي يستقبله، ويعيد إنتاجه على نحو مستمر.
ربما تكون قد انتهت هذه الأزمة، على الأقل ظاهريًا، دون انزلاق واسع، إلا أن ما ينبغي الانتباه إليه لا يقتصر على ما جرى، بل على ما قد يتكرر، فالمجتمع اليوم يبدو مهيأ نفسيًا لهذا النوع من الخلافات، بل وكأنه في حالة انتظار لها، وهنا تتضاعف المسؤولية، ليس على الدولة فقط في ضبط هذه الأحداث ومنع توسعها، بل على المجتمع أيضًا، في وعيه لهذا الانتظار ذاته، والعمل على تفكيكه وفهمه، فالمشكلة لم تعد في الحادثة حين تقع، بل في وهم ترقّبها قبل أن تحدث.





