إغلاق مضيق هرمز: اللعب على حافة الهاوية
لسنوات، حذّر المحلّلون الاستراتيجيون والاقتصاديّون من الآثار الاقتصادية المتوقعة التي ستجلبها للمنطقة والعالم أيّ حرب بين كيان الاحتلال والولايات المتحدة مع إيران. ومع شنّ الولايات المتحدة و«إسرائيل» الحرب، تحوّلت تلك المخاوف إلى واقع، ربما يكون تجسّده الأبرز هو السيناريو التي كان يُحذّر منه دومًا، وهو إغلاق مضيق هرمز.
يقع هذا الممرّ المائي بين إيران شرقًا، والإمارات العربية المتحدة غربًا، وسلطنة عُمان جنوبًا. ويبلغ طوله 167 كيلومترًا، وعرضه عند أضيق نقطة 33 كيلومترًا، ولكن المساحة الآمنة لعبور السفن فيه لا تتجاوز في كلّ اتجاه أكثر من 3.5 كيلومتر. أمّا الأهمية الاستراتيجية للمضيق وما يجعل منه نقطة اختناق عالمية شديدة الحساسية فمردّها أن 26% من المشتقات النفطية المنقولة بحرًا، وأكثر من 20% من الغاز الطبيعي تنقل عبره سنويًا. وبكلمات أخرى، فإن 20 مليون برميل نفط تمرّ عبر تلك الكيلومترات الثلاثة يوميًا، وأكثر من 130 سفينة تعبره كل يومٍ إلى موانئ دول الخليج المختلفة.
منذ اليوم الأول للحرب، بدا أن احتمال إغلاق المضيق جديّ للغاية، إذ أبلغت سفنٌ يوم السبت الفائت أن رسائل وصلتها من الحرس الثوري الإيراني بمنعها من المرور من المضيق، رغم عدم إعلان إيران عن ذلك رسميًا في حينه. وهنا، وفي انتظار ما ستؤول إليه الأمور، اتخذت الشركات المالكة للسفن خيارات مختلفة، ما بين اللجوء إلى ملاذات آمنة داخل الخليج، أو الرسوّ في عرض البحر، أو الابتعاد عن مضيق هرمز في حال كانت تلك السفن خارجه. وأظهرت بيانات الشحن أن أكثر من 200 سفينة، بينها ناقلات نفط وغاز مسال، رست في منطقة الخليج في اليوم الثاني على الحرب.
ومع بدء الاضطرابات في الحركة عبر مضيق هرمز، أعلنت كبرى شركات التأمين البحري إلغاءها بوليصات التأمين للسفن العابرة للمضيق أو رغبتها بالتفاوض على أسعار أعلى بكثير، وتضاعفت تكلفة استئجار ناقلات النفط.
التحذير من عبور المضيق، تلاه استهداف للسفن، إذ استهدفت السفينة سكاي لايت في اليوم الثاني من بدء الحرب بالقرب من سواحل عمان، لتبدأ عقبها عمليات متتالية، حتى وصل عدد السفن التي طالتها نيران الحرب في المضيق ومحيطه لأكثر من عشرة، بينها سفن ترفع علم الولايات المتحدة، كما تعرّضت سفينة مستأجرة من شركة أرامكو لهجوم بُمسيّرة قرب عُمان أثناء نقلها لـ500 ألف برميل من الوقود إلى أحد الموانئ السعودية. وفي ظلّ هذا الوضع جاءت إعلانات متتالية من الشركات الخمسة الكبرى في مجال الشحن البحري تعلن فيها تعليق عبور سفنها للمنطقة. وفي الأثناء، تباينت الأخبار ما بين إعلان عن إغلاق المضيق بشكل رسمي من قبل الحرس الثوري في إيران، وأخرى تتحدث عن إغلاقه فقط في وجه السفن الحربية الأمريكية والإسرائيلية، وتلك السفن التي «تحاول إظهار نفسها كسفن تجارية».
وبغض النظر عمّا إذا كان المضيق مغلقًا بشكل رسمي، أو بفعل واقع الحال فقط، يشهد المضيق اليوم أقلّ مستوى من الحركة منذ سنوات، إذ وبحسب خدمة تتبع السفن مارين ترافيك تراجعت حركة ناقلات النفط عبر المضيق بنسبة 90% مقارنة بالأسبوع السابق على الحرب.

كيف يمكن لإيران إغلاق مضيق هرمز؟
في واحد من إحاطاته الصحفية العديدة، ذكر وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث أن أحد أهداف الحرب الأمريكية الإسرائيلية هو تدمير البحرية الإيرانية، كما تحدث الرئيس الأمريكي عن تدمير قواته لعدد من السفن الإيرانية، قبل أن يُعلن تدمير البحرية الإيرانية برمّتها.
لكن ومع استمرار إغلاق البحرية الإيرانية للمضيق، أعلن ترامب أنه «إذا تطلّب الأمر فستبدأ البحرية الأمريكية بمرافقة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز»، وأن بلاده ستضمن التدفق الحرّ للطاقة إلى العالم. قبل هذا الإعلان كانت كُلف التأمين على السفن العابرة للمنطقة قد ارتفعت، وبعده واصلت تلك الكلف التحليق، حيث وصلت إلى اثني عشر ضعفًا لما كانت عليه قبل الحرب.
بعد هذا التصريح من ترامب، انخفضت أسعار النفط قليلًا، لكن هذه الطمأنينة التي حاول بثّها قد تتلاشى سريعًا، يقول لحبر الخبير في مجال الطاقة عامر الشوبكي، بعد أن استهدفت اليوم في منطقة الخليج ناقلة نفط أمريكية. كما أن خبراء يتحدثون عن أن الوعود التي قدمها الرئيس الأمريكي تحتاج إلى المزيد من الوقت حتى يكون بالإمكان تحقيقها، وتتطلّب تدميرًا كاملًا لقدرات إيران على شلّ الحركة في المضيق، أمّا مسألة مرور سفن الشحن رفقة سفن حربية أمريكية فيروْن أنها تتطلب عددًا كبيرًا من السفن الحربية، التي ستكون هي ذاتها تحت ضغط النيران الإيرانية.
في كلّ حديث حول إغلاق مضيق هرمز، تتم الإشارة إلى حرب الناقلات التي شهدتها المنطقة خلال الحرب بين العراق وإيران في ثمانينيات القرن الفائت، حيث تعرّضت سفن وناقلات نفط لأكثر من 450 هجومًا على مدى سنوات الحرب. وفي تلك الحرب استهدفت السفن بالصواريخ، وزرعت ألغام بحرية في منطقة الخليج. لكن اليوم، تملك إيران وسائل أكثر تقدّمًا من تلك التي استخدمت حرب الخليج الأولى، والتي قد تمكنها من إغلاق المضيق والإبقاء عليه مغلقًا لوقت طويل إن أرادت. إذ لديها باقة متنوعة من الصواريخ المضادة للسفن ما بين صواريخ بالستية وصواريخ كروز، وبأعداد غير معروفة، إضافة إلى طائرات وزوارق مسيّرة. كما تتحدّث المصادر عن أن لدى إيران أجيال مختلفة من الألغام البحرية التي يمكن زراعتها في المضيق. لكن هذا الخيار شديد الخطورة إذ أن عملية نزع الألغام مستقبلًا ستكون صعبة، ويظلّ احتمال انجرافها عن مواقعها التي زرعت فيها أمرًا ممكنًا، ما قد ينجم عنه إغلاق المضيق لفترات طويلة للغاية.
ما الذي يعنيه إغلاق المضيق للاقتصاد العالمي؟
بمجرّد الإعلان عن الحرب، وبدء الاضطرابات في حركة السفن في مضيق هرمز والمنطقة، أخذت أسعار الطاقة في العالم بالصعود، فارتفع سعر مزيج برنت 12% عمّا كان عليه قبل بداية الحرب، وبالإجمال ارتفع بنسبة 36% منذ بداية العام مع تصاعد الحشود العسكرية الأمريكية في المنطقة، وكذلك ارتفع مؤشر الغاز الطبيعي الأوروبي بنحو 50% منذ بداية الأسبوع، بالتزامن مع الإرباك الذي تشهده صناعة الطاقة في المنطقة.
وفي حال تم إغلاق المضيق، يصبح معظم إنتاج دول الخليج والعراق من مصادر الطاقة محتجزًا في المنطقة، إمّا في ناقلات محمّلة ولكنها غير قادرة على الحركة، أو في مستودعات تخزين ضخمة. وبحسب تقرير لبنك جيه بي مورغان، تبلغ سعة التخزين البرية المتاحة لدى المنتجين السبعة في المنطقة نحو 343 مليون برميل، وهو ما يعني أن بإمكان دول الخليج استيعاب الكميات غير القابلة للتصدير لحوالي شهر تقريبًا، قبل أن تضطرّ للتوقف عن الإنتاج من حقولها النفطية. لكن هذا، يقول الشوبكي، قد تكون له آثار طويلة المدى على بعض الحقول النفطية، إذ قد تحتاج هذه الحقول لوقت طويل حتى تستعيد كفاءتها وقدرتها الإنتاجية الكاملة.
وللتعامل مع هذا الوضع، أي احتمالية تعطّل الإبحار في مضيق هرمز، كانت العديد من دول الخليج قد عملت على توفير بدائل تسمح لها بتصدير جزء من إنتاجها عبر مسارات أخرى، فأنشأت السعودية خط نفط شرق غرب، والذي ينقل النفط من حقل بقيق إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وتبلغ الطاقة القصوى للخط حوالي خمسة ملايين برميل يوميًا، لكن بعض المصادر تتحدث عن أن الطاقة القصوى لميناء ينبع تبلغ ثلاثة ملايين برميل يوميًا. كما تملك الإمارات أنبوب نفط حبشان الفجيرة، وهو أنبوب قادر على نقل حوالي 1.8 مليون برميل نفط يوميًا إلى ميناء الفجيرة المطلّ على خليج عمان، أي أنه يتجاوز مضيق هرمز. وامتلاك دول الخليج لهذه البدائل، يسهم حتى اليوم على الأقل في دفع أسواق النفط لحالة من الاستقرار، رغم بعض الارتفاع، يقول الشوبكي.
لكن إن كانت هذه الخيارات توفّر مساحة للسعودية والإمارات من أجل تصدير جزء من نفطهما، إلّا أن استهداف منشآت مرتبطة بصناعات الطاقة يعقّد المشهد ويضع حتى خيارات تجاوز المضيق هذه تحت الضغط. فقد أوقف سقوط شظايا طائرة مسيّرة في مصفاة رأس تنورة في السعودية العمل فيها بشكل جزئي، وهذه المصفاة تقع بالقرب من ميناء يحمل الاسم نفسه مسؤول عن 90% من صادرات السعودية النفطية. وكذلك شبّت النار في مستودعات للوقود في ميناء الفجيرة. كما استهدفت مسيّرات منشآت مرتبطة بصناعة الغاز في قطر، وهي المسؤولة عن كامل إنتاج قطر من الغاز الطبيعي. لتعلن قطر عقبها التوقف عن إنتاج الغاز، وهو ما عنى إخراج قطر من سوق الغاز العالمي، والتي تبلغ حصتها فيه 12%.
في محاولة لطمأنة الأسواق، صرّح وزير الطاقة الأمريكي إن تأثير الحرب على أسواق الطاقة سيكون مؤقتًا وبسيطًا، ورغم أن أسعار النفط قد ارتفعت بحوالي 12%، وأكثر منها بكثير أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا، إلّا أن ما يحصل في بعض الأسواق حول العالم يشي بأن كلام الوزير الأمريكي قد يكون مجانبًا للواقع، إذ هوى مؤشر الأسهم الكوري الجنوبي القياسي «كوسبي» بنسبة وصلت إلى 12%، وفقدت الأسهم في كوريا الجنوبية حوالي نصف تريليون دولار في اليومين الأولين على الحرب. كما شهدت الأسواق الآسيوية الرئيسة انخفاضات وإن كانت بأرقام أقل.
لكن محللين اقتصاديّين يقولون إن الارتفاع في الأسعار حتى اليوم لا زال محتملًا، إذ لم تمرّ سوى أيّام فقط على بدء الحرب. وهو تحليل يتفق معه الشوبكي، ويضيف إن الافتراض الشائع بأن الحرب لن تكون طويلة، يدفع بالمضاربين إلى عدم المراهنة على ارتفاع أسعار النفط، لكن يتابع الشوبكي، ستشهد الأسواق ارتفاعًا قياسيًا، في حال استمرّت الحرب لأكثر من 25 يومًا، بما يتجاوز المخزونات الاستراتيجية من النفط لدول العالم، كما أن هذه الأسعار ستشهد قفزات في حال توسعت الحرب وشهدت استهدافًا للبنى التحتية للطاقة في المنطقة، أو ربما دخول لجماعة أنصار الله على الحرب بحيث يوقفون التصدير، ولو جزئيًا، من البحر الأحمر. وهي قفزات سعرية، يقول محللون، قد تدفع بالاقتصاد العالمي نحو حالة من الركود.
هذا الاحتمال هو ربما ما يقود جزءًا من التفكير الإيراني في هذه اللحظة، إذ أن إطالة أمد المعركة، والاستمرار في دفع الاقتصاد العالمي نحو الحافة، هو ما يمكن أن يجبر دول العالم، والمستهلكين والشركات الأمريكية للضغط على الإدارة الأمريكية لوقف حربها على إيران في عام تشهد فيه الولايات المتحدة انتخابات جديدة توصف بأنها مصيرية بالنسبة لترامب وحزبه.





