اضطراب هرمز يدفع اليونان نحو ليبيا… طموح أوروبي يصطدم بواقع هشّ
يبدو أن الصراع المفتوح على كل الاحتمالات بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران يعيد رسم خريطة سوق الطاقة في المنطقة، مع تحوّل الأنظار نحو ليبيا، التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا، كأحد أبرز المرشحين في حوض المتوسط لتأمين النفط والغاز إلى أوروبا، في ظل ضبابية مستقبل مضيق هرمز.
في هذا السياق، تجاوزت أثينا خلافاتها مع سلطة ليبيا المنقسمة، سواء في ملف ترسيم الحدود البحرية أو في تعقيدات العلاقة مع تركيا، في محاولة لتأمين مصادر جديدة للطاقة. فقد زار وزير الخارجية اليوناني جورج جيرابيتريتيس بنغازي، التي تُعدّ مركز سلطة شرق ليبيا، والتقى قائد "الجيش الوطني الليبي" خليفة حفتر ونجليه، نائب القائد العام صدام ورئيس الأركان خالد. في المقابل، تأجلت زيارة أخرى كانت مقررة إلى طرابلس للقاء رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة، بسبب سوء الأحوال الجوية، وفق بيان يوناني.
طاقة أم سياسة؟
رسمياً، ركّزت التصريحات على العلاقات الثنائية والتبادل التجاري والمشاريع المشتركة، مع إبداء استعداد الشركات اليونانية للمشاركة في مشاريع البنى التحتية. وأكد جيرابيتريتيس أن زيارته "تعكس التزام اليونان بتعميق العلاقات مع ليبيا"، مشيراً إلى أن التعاون بين البلدين "يُظهر تقدماً كبيراً".
غير أن المحلل السياسي الليبي حمد عز الدين يرى أن الزيارة تحمل أبعاداً أبعد من ذلك، معتبراً أنها تأتي في إطار "البحث عن بديل نفطي لتغطية العجز الناتج من الحرب الدائرة في المنطقة، وليس بسبب ملف ترسيم الحدود كما يُروّج". ويقول لـ"النهار" إن ليبيا مرشحة لتكون هدفاً لتعويض النقص في سوق النفط العالمي، خصوصاً مع تزايد الضغوط على إمدادات الطاقة الأوروبية، داعياً السلطات الليبية إلى التعامل مع هذه التحولات على قاعدة "الشراكة لا التبعية".

إمكانات كبيرة… قيود حادة
في المقابل، يقلّل الخبير الليبي في قطاع النفط عثمان الحُضيري، في حديث مع "النهار"، من قدرة ليبيا الحالية على لعب دور بديل موثوق. ويشير إلى أن البلاد تمتلك مقومات قوية، من احتياطيات كبيرة من النفط والغاز (تُقدّر احتياطيات الغاز التقليدية بنحو 70 تريليون قدم مكعب)، إلى موقع جغرافي قريب من أوروبا، وخام عالي الجودة (خفيف وقليل الكبريت)، إضافة إلى بنية تصدير تشمل خط "غرين ستريم" إلى إيطاليا.
إلا أن هذه الميزات، بحسب الحُضيري، تصطدم بواقع هشّ، يتمثل في عدم استقرار الإنتاج لأسباب سياسية وأمنية، وضعف البنى التحتية، إذ تعمل المصافي بأقل من 30 في المائة من طاقتها، فيما تعاني خطوط الأنابيب والموانئ من التهالك، فضلاً عن محدودية مرافق التخزين وتسييل الغاز. وحتى خط التصدير المباشر إلى أوروبا، يعمل بأقل من 20 في المائة من قدرته.
ويضيف أن تحويل ليبيا إلى مورد استراتيجي يتطلب تحييد قطاع النفط عن الصراعات السياسية، وضمان استمرارية الإنتاج والتصدير، إلى جانب تحديث البنى التحتية وجذب الاستثمارات، والتوسع في استكشافات الغاز، حيث تخطط ليبيا لرفع إنتاجها إلى نحو مليار قدم مكعب يومياً، وهو عنصر حاسم لأوروبا أكثر من النفط. كما يشير إلى إمكانية تعاون تكاملي مع دول الجوار، خصوصاً مصر، التي تمتلك بنية تكرير وتسييل متقدمة وتسعى إلى ترسيخ موقعها كمركز إقليمي للطاقة.
الهجرة… الورقة غير المعلنة
في زاوية مختلفة، يرى الحقوقي الليبي طارق لملوم أن الزيارة لا تنفصل عن ملف الهجرة، معتبراً أنها "تُقدَّم كتعزيز للعلاقات، لكنها في جوهرها محاولة للضغط أو الإقناع للحد من تدفقات المهاجرين من سواحل شرق ليبيا".
ويقول لملوم، لـ"النهار"، إن مناطق الانطلاق من سرت إلى بنغازي ودرنة وصولاً إلى طبرق شهدت خلال العامين الماضيين نشاطاً متزايداً في حركة الهجرة غير النظامية، ما انعكس ارتفاعاً في أعداد الوافدين إلى الجزر اليونانية. ويلفت إلى أن هذا الملف تحوّل إلى أداة ضغط متبادلة بين الفاعلين الليبيين ودول الاتحاد الأوروبي، حيث يُسمح أحياناً بخروج القوارب بشكل شبه علني، فيما يتم اعتراضها في أحيان أخرى، ما يعكس تغليب الحسابات السياسية على الاعتبارات الإنسانية.





