“عزلة البادية” في نظر حكومة “المصالح الكبرى”

ما الذي سيفيده التقرير، الذي أنجزه المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، حول فك العزلة عن العالم القروي؟
هذا السؤال لا يتطلع إلى استكشاف الأخبار والمعلومات، ولكنه استنكاري لأن الحكومة ومنذ تنصيبها وهي تتعامل بازدراء مع المؤسسات الدستورية، وتعتبر تقاريرها مغرضة، بل إن رئيس الحكومة قال ذات مرة إن حزبه قادر على إنجاز أفضل من هذه الدراسات التي تصرف عليها الملايير.
حاول رئيس الحكومة تبخيس عمل المؤسسات، وتشويه صورتها، حتى لا تكون لتقاريرها تأثير على الشارع وعلى المواطنين، ناهيك عن الأحزاب المشاركة في التحالف الحكومي، وسبق لقيادي في حزب رئيس الحكومة أن زعم أن المؤسسات الدستورية يسيطر عليها اليسار، وكأن هذه المؤسسات مفتوحة للتنافس وليس التعيين فيها من اختصاص المجلس الوزاري، الذي يترأسه جلالة الملك؟
تبخيس عمل المؤسسات الدستورية ليس اعتباطيا ولكنه مقصود من أجل ضرب مصداقية التقارير التي تصدر عنها، ولهذا لما يأتي تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي اليوم حول النقل في العالم القروي، لن تهتم به الحكومة على أهميته القصوى والتاريخية.
دون التأسيس لنموذج متكامل للنقل بالعالم القروي لن تكون هناك أبدا تنمية مندمجة، وسيبقى المغرب يسير بسرعتين، وهي القضية التي يمكن سحبها على جميع المجالات، سرعة المشاريع الكبرى التي تعتمد خيارات مستقبلية وسرعة الحكومة المتباطئة، وسرعة الشريط الساحلي وسرعة العالم القروي، الذي يعاني عزلة مميتة.
فك العزلة عن العالم القروي، يحتاج إلى مشروع متكامل، ولا يمكن حصره في النقل القروي، مهما كان شكله، فهو مشروع يعتمد أولا تخصيص مشاريع كبرى للبنية الطرقية في العالم القروي، التي توجد أغلبها في حالة يرثى لها، ودون بنيات طرقية جيدة ومتنوعة ومتواصلة، سيبقى العالم القروي معزولا بشكل كبير.
بعد البنيات الطرقية الجيدة والمتواصلة والممتدة إلى كافة المناطق، يأتي أسطول النقل، الذي ينبغي تنويعه حسب الظروف الجغرافية، التي تتميز في المغرب بالغنى الوافر.
والنقل مربط الفرس في هذا التقرير الجديد، لكنه دون ربطه بالمجال وبالتنمية فإن العزلة سيفرضها أبناء المناطق القروية على أنفسهم عندما يغادرونها بحثا عن العيش في أماكن أخرى، وبالتالي فإن النقل وحده لا يكفي، كما أن الأسعار التي تفرضها الحكومة على مستعملي المحروقات لا تنسجم مع تشجيع النقل بعالم ما زالت الندرة فيه هي الطاغية على طبيعة الحياة.
المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يقدم دائما آراء استشارية لمن يهمه الأمر، لكن هذا الرأي لو تبنته الجهات المعنية وخصوصا الحكومة والمجالس المنتخبة لأصبح مشروعا قابلا للتنفيذ والتنزيل على أرض الواقع، وأي مشروع متكامل سيؤدي حتما إلى تحقيق أهداف ولو جزئية ولو عبر التراكم ستحقق في النهاية الهدف منها والمتعلق بفك العزلة عن العالم القروي، التي تبعد حياة الناس عن الاستفادة من الخدمات.
The post “عزلة البادية” في نظر حكومة “المصالح الكبرى” appeared first on أشطاري 24 | Achtari 24 - جريدة الكترونية مغربية.



