عيسى الصلتي يكتب: السياسة العمانية: ثبات تاريخي في مواجهة عبث الحروب
عيسى بن سعيد الصلتي – شؤون وطنية
في غرة من الزمن توقفت الحرب، فهل توقفها لبرهة من الزمن أم سيكون لحين أو أجل غير مسمى؟ وبرغم كل التحليلات التي سبقتها أو كانت في أثنائها، وبرغم ما حدث وما سيحدث، وما اتفق عليه من اتفق، واختلف فيه من اختلف، بقيت سلطنة عمان ثابتة لا يحيد موقفها ذاك المستمد من عمق حضارتها الإنسانية وتاريخها السياسي الضارب في عمق الزمن والتاريخ، فهي ليست من الدول الناشئة حديثاً، أو التي اصطنعتها قوة سياسية معينة لتحقيق أهداف سياسية معينة، وليست دولة في عمر المراهقة، إنما هي دولة ذات سيادة تاريخية وحضارية واستقلال سياسي، أقلها منذ حكم مالك بن فهم الأزدي إلى حاضرنا هذا، فبفهم ومعرفة تاريخ هذا البلد لا شك سيعرف من أراد أن يعرف حقيقة موقفها وصواب توجهها، إلا ذاك الذي عليه غشاوة أو ران على قلبه فعمي بصره وبصيرته.
فعمان كانت وما زالت ذات سيادة سياسية لا يستطيع أحد أن يملي عليها أجندته الخاصة والعبثية في المنطقة، وهي ثابتة في مواقفها في مختلف الظروف السياسية التي تعيشها المنطقة منذ حرب العراق وإيران، وما قبل ذلك في مختلف القضايا السياسية العربية، وعلمت بذلك أمريكا عندما كانت ذات عقل، فسارعت إلى عمان لتكون الوسيط بينها وبين جمهورية إيران، ومارست السلطنة هذا الدور بفاعلية واقتدار لثلاث جولات من التفاوض الذي كان يمضي على نهج عقلاني وفي مسار كان قاب قوسين أو أدنى أن يرى العالم فيه اتفاقاً عالمياً يجنب العالم ويلات تداعيات الحرب، وما هي إلا لحظة من جنون ترامب الذي انقاد إلى النتن الذي يسوقه إلى المهالك والردى، فأشعل المنطقة بحرب لا خاسر فيها إلا دول المنطقة، فما كان من عمان إلا رفض معلن لهذه الحرب العبثية والآثمة، واعتبرتها حرباً غير مشروعة، ورفضت علانية تقديم أي نوع من أنواع الدعم لأمريكا في هذه الحرب العبثية التي لا هدف لها سوى تمكين الكيان الصهيوني المحتل من الشرق الأوسط ومنطقة الخليج.
فعُمان لا تنجر وراء النزوات السياسية، ولا تنجر وراء الفورة العصبية، ولا تقودها الطائفية، وتاريخها شاهد عليها في المنطقة الخليجية والعربية، فعندما قاطعت الدول العربية جمهورية مصر على أثر معاهدة كامب ديفيد، أبقت علاقتها مستمرة مع جمهورية مصر العربية، إلى جانب دولة أو دولتين من العرب، كما أنها لم تشارك دول الخليج موقفها الداعم لحرب العراق على إيران، فوقفت موقف الوسط بين الطرفين، فحفظت بذلك التوازن السياسي في المنطقة، وأسهمت بهذا الموقف في توفير المناخ السياسي المناسب للحوار والدبلوماسية في إنهاء حرب الثماني سنوات، وغيرها من الشواهد التاريخية على المواقف السياسية في المنطقة كمقاطعة عدد من دول الخليج دولة قطر وكحرب اليمن، حتى وعندما تم التجسس عليها لم تقم بمقاطعة من حاول العبث بأمنها واستقرارها، ولم تعزُ إلى مواطنيها بالمقاطعة أو بالتشهير بتلك الدولة أو التشهير برموزها أو مناكفة شعبها في مواقع التواصل الاجتماعي أو ببرامج إعلامية أو تسخير مشايخ أو أقلام مرتزقة تشهر بهم.
ومع اغتيال المفاوضات التي كانت تديرها عمان من قبل من كان يظن أن الحرب هي الحل الوحيد للخلاص من النظام الإيراني، ورغم المحاولة لزجها في هذه الحرب الآثمة باستهداف بعض مناطقها الاقتصادية، بقيت رصينة الموقف ثابتة في مبادئها الخلاقة، الثابت الذي لا ينجر وراء طائفية مقيتة، ولا ينجر وراء مجنون مغمور أرعن لم يعقل السياسة بعد، فما فتئت تصدح بالاحتكام إلى الدبلوماسية والحوار؛ فهو السبيل الوحيد الذي يحمي المنطقة من خراب ودمار وويلات الحرب، فأبقت اتصالاتها الدبلوماسية مفتوحة وقائمة بين الطرفين (إيران وأمريكا) وتحث الطرفين على الرجوع إلى الحوار والتفاوض، بما يحقق المطالب المشروعة والقانونية لكل الأطراف.
ولم تغفل السياسة العمانية الجانب العربي وإشراكه في ضرورة التحرك الدبلوماسي، ومن ذلك الاجتماعات التي عقدها معالي السيد بدر بن حمد وزير الخارجية مع عدد من سفراء الدول العربية المعتمدين في السلطنة، بحيث يكون للدول العربية الموقف الداعي إلى الدبلوماسية والحوار؛ فإن تداعيات الحرب ونتائجها غير المتوقعة لا شك ستؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على الدول العربية، خصوصاً دول الخليج العربي على مختلف الأصعدة. كما لم تهمل عمان الدور الدولي من خلال اجتماع معالي السيد وزير الخارجية بعدد من سفراء دول العالم المعتمدين في السلطنة، لحثهم على ضرورة دعم الحوار الدبلوماسي في هذه الحرب غير المشروعة.
إن هذه السياسة العمانية الرصينة تهدف دوماً وأبداً إلى جعل الخليج العربي آمناً مستقراً ينعم بالأمن الذي يمكنه من تحقيق مصالحه الوطنية لكل دولة ومصالحه الإقليمية والدولية في مختلف المجالات والأصعدة، وتدعم كل وساطة من شأنها أن تحقق ذلك، كدعمها للوساطة الباكستانية الأخيرة في هذه الحرب، فهي لا تؤمن بالحروب الظالمة ولا تدعم الصراعات الداخلية بين الدول، ولا تمول أي انفصال أو انشقاق في الدول، فسياستها قائمة على عدم التدخل في شؤون الغير ولا تسمح للغير بأن يتدخل في شؤونها. أخيراً، فعُمان دولة حضارية عظيمة، وتدافعها مع الحضارات كالحضارة الفارسية مكنها من معرفة أغوار تلك الحضارات والتعامل معها في حال السلم والحرب، وتعلم تلك الحضارات أن الند الحضاري لها في المنطقة هو عُمان، لذا نجد اختلاف موقف عُمان سياسياً تجاه إيران خلاف دول الخليج التي لم يكن لها في ماضي الزمن مع إيران سجال سياسي بمختلف أشكاله، وعُمان دولة ثائرة على الظلم وما حادثة البصرة عنا ببعيد عندما حررتها من يد الفرس على يد الإمام أحمد بن سعيد، فهي لا ترضى بأن يقع الظلم على الدول والشعوب، فهي صوت الحق في وجه كل ظالم