«عشرة متر»: أجساد على جدار
مع الأيام الأولى لحرب الإبادة على غزة، احتارت المؤسسات الفنية والثقافية الفلسطينية في أمرها؛ فبينما اختارت جهات الصمت والترقب انتظارًا لما ستؤول إليه الأمور، اختارت مؤسسات ومجموعات ثقافية فتح باب الحوار المجتمعيّ للتفكير في سؤال الفنّ وجدواه في ظلّ الإبادة ودور الفنانين والمؤسسات في هذه المرحلة، من حيث شكل الفن ومقولته، أو من حيث طريقة العمل، أو الموقف من التمويل.
كان على الفنّ أن يدليَ بدلوه حيال واقعه بشكل عام، وحيال الحرب بشكل خاص. ومن بين الفنانين الذين قرروا الانخراط بالتفاعل مع ما تشهده البلاد، الفنان التشكيلي واللاجئ يوسف عوض، الذي بدأ العمل على «معرضه» الجديد في الشهر الأول من الحرب وأنجزه بعد «انتهائها»، تاركًا للتجربة أن تقرّر الشّكل الذي سينتهي إليه عمله.
«هذا ليس معرضًا»
من بين النقاشات التي دارت، خرجت أصوات تنتقد فكرة تحويل الموت إلى معرض، فالقنوات التلفزيونية والمواقع الإلكترونية تفعل ذلك بمنتهى الوضوح، وتعرض مشاهد الموت كلّ يوم. بالتالي كان واجبًا العثور على طريقة لـ«عرض» اللوحات الفنية أيًا كانت دون أن تشكّل معرضًا. وبعدَ بدء حرب الإبادة بعدة شهورٍ افتتحَ المتحف الفلسطينيّ معرضًا بعنوان «هذا ليس معرضًا».
في النشرة التقديمية للمعرض نقرأ: «مجرّد الحديث عن الفنّ الآن يبدو انفصامًا عن الواقع، كما يجعل التفكير في إنجاز معرضٍ بالطّرق المعهودة ضربًا من العبث والترف». ولكن عند زيارة المعرض سنكتشف أنّنا أمام معرضٍ فنيّ ضخم، وإن كنّا ندري أنّه نتاج فنانين شهداء ونازحين من غزة. لكل لوحة في المعرض معناها الخاص بها، ولكنّها (مع المعرض) تصبح جزءًا من مجموعة لوحات وُضِعَت بطريقة معينة فلا يعود الحديث عن اللوحة وإنّما عن المعرض، وهو معرض ضخم يضع الزائر في موقع المتلقي الصغير (حرفيًا) أمام ضخامة المعرض وهيبته.
لم يقع معرض «هذا ليس معرضًا» في فخّ عرض الموت فنيًا وجماليًا، ولكنّه لم يستطع الإفلات من هيمنة وسطوة المعرض بذاته. بينما تمكّن يوسف عوض -والذي لم يكن جزءًا من النقاشات الفنية والفكرية- من التحرّر من مفهوم المعرض، وإن سُميَ في الدعوة الرسمية بـ«معرض عشرة متر»، وحول التسمية يقول عوض: «تسميته بالمعرض حصلت سهوًا، كان يجب أن يُسمّى سردية»، ومع الحوار السريع الذي خضته معه كرّر عدة مرات أنّه يحاول في كلّ «معارضه» أن يسرد «حكاية».

في وصفه للمعرض كما وردَ في الدعوة الرسمية نقرأ أنّ المعرض هو صرخة، وهو «لوحات ترفض أن تكون زينة». وعندما نصل «المعرض» نرى جدارية بطول عشرة أمتار محصورة في عشرة سنتيمترات ارتفاعًا بين خطين. تمتد الجدارية (السردية) بشكلٍ متماوج. بالتالي لا يمكن رؤية اللوحات كلّها مرةً واحدة، فعند الوقوف على بعد أمتار من «المعرض» لن يستطيع الزائر رؤية أيٍّ من اللوحات المرسومة بقلم رصاص متواضع، بل سيرى خطوطًا بعيدة صغيرة، تتضح أكثر فأكثر كلما اقتربنا منها، وصولًا إلى رؤية كلّ لوحة وقد اتّصلت بما قبلها وبعدها. وعن الحاجة للمشي مع ترتيب اللوحات، كي يتمكن الزائر من رؤيتها حقًا، يقول عوض إنّه لا يريد للزائر أن يشاهد «المعرض» بل أن يراه عن قربٍ، أن يشعر بالحاجة لارتداء نظارات وأن يشعر بألمٍ في عينيه، وكأنَ عوض يراهن على أنّ الزائر إن تورّط بالعشرة سنتيمترات الأولى سيجد نفسه مضطرًا للمشيء ببطءٍ والتحديق بالترتيب المحدد.
تعمّد «المعرض» بلوحاته وشكله أن يلغي «الهالة» (aura)، كما أنّه لم يحوّل المجازر إلى «جمال»، بل أعادَ خلقها بما يوجع المتفرّج ويستفزه. يشير عوض إلى أن الزّوار وقفوا أمام عدة محطات وكانوا يتألمون: «لم يقل لي أحدهم كلمات مثل مبهر أو جميل، وهذا الهدف، فالموت ليس جميلًا، إنّه موجع».
الجسد في الموت والحياة
عشرة متر ليس معرضًا كما أنّه ليس لوحاتٍ، بل هو سلسلة مستمرّة لا تنقطع إلّا قصدًا، ولا تخرج عن حدود العشرة سنتمترات ارتفاعًا إلّا قصدًا. سلسلة مستمرّة من تمظهرات الحرب وقسوتها، وكانت غالبيتها العظمى (أكثر من تسعة أمتار منها) تتشكّل من الأجساد.
وقد اختارَ عوض أن يحصر السلسلة في مساحةٍ ضيّقة، مستلهمًا من عمل سابق للفنان الفلسطيني مصطفى الحلاج، والذي رسمَ أطول جدارية في العالم بطول 114 مترًا وعرض 36 سم. لكنّ عوض هنا لا يقدّم شخصية واضحة تسير معها الأحداث، ولا يهتم بالملامح، بل يقدّم أجسادًا يمكن الشعور معها والإحساس بمأساتها دون رسم ملامحها.
لا يصوّر الفن في «عشرة متر» الإبادة بل يعيد خلق مأساة الجسد/ الأجساد، فالإبادة كما يفهمها عوض هي إبادة الجسد بالدرجة الأولى، وهذا هو معرضه الوحيد الذي لا نرى فيه شخصية أو بطلًا. «الجسد هو البطل» وفق قوله. ولكلّ جسدٍ خصوصيته وإن تشاركت جميعها في شكل الخطوط واللغة الفنية، ولعلّ أوضحها في متر كامل خصّصه لمجزرة المعمداني.
عندما سمع عوض خبر مجزرة المعمداني واستشهاد خمسمئة فلسطينيّ لم يتابع الأخبار وانطلق للرسم، حتى قبل أن يعرف عن ازدياد عدد الشهداء. ذهبَ يرسم خمسمئة جسد في مترٍ واحد، حاولَ من خلالها تخيّل لحظة الموت وما يسبقها. تعبّر اللوحة عن موتٍ يأتي من الأعلى. موت لا نراه نحن المتفرّجين، بل نرى الشهداء ينظرون إلى الأعلى ويتلقون الموت تباعًا، ولا نرى منهم سوى عيون وأفواه مفتوحة مصدومة وأيادٍ تحاول إيقاف الموت وأخرى تمتد لحماية أحبائها.

بعد المعمدانيّ «بقرابة المتر» نجد رؤوسًا وقد أصبحت مثل ألواح الصّبار، ولعلّ فيها إجابة الغزيّ الذي يتعرّض للإبادة بينما لا يسمع إلّا كلمات الصّبر والتصبير وصولًا إلى بطنٍ ممتلئ بالوجوه/الصبّار. في هذه الجزئية كما في كامل الجدارية لا يوجد ترتيب منطقي للأجساد، نجد مثلًا رأسًا مع قدمٍ مع يدٍ أخرى تتداخل دون إمكانية فصلها عن بعضها، لنجدها وقد صارت أسلاكًا شائكة مثلًا، أو جسرًا أو تابوتًا.

تقديم إبادة الجسد بهذه الطريقة يعالج قضية «ليسوا أرقامًا»، دون أن يتورّط الفن بطريقة السينما الدارجة التي تتبّع قصة إنسان واحد (مقبول عالميًا!) ثمّ تخلق اندماجًا عاطفيًا في قصّته وتعاطفًا معه مما يفردن القضية. كما أنّه لا يذهب إلى المنحى الآخر عبر إلغاء إنسانية الفلسطينيين بتحويلهم إلى إحصائيات بحجة إحالة الحرب إلى سؤالٍ عقلانيّ.
نرى عددًا مهولًا من الأجساد النازفة والشهيدة والمتألمة، عددًا يصعب معرفته. يقول عوض: «لو حاولتُ أنا أن أعدّهم، لن أستطيع». لا تشكّل هذه الأجساد قصة، ولا تصوّر أحداث متسلسلة، بل هو الوجع دون تصويره. في المعرض أحداث متصلة من حيث البنية، لكنها منفصلة ومتقطعة بالمعنى البنائيّ أو القصصيّ، هي تمظهرات مختلفة للحرب والإبادة، لا تسمح للمتقي بالاندماج فيها، بل تصدمه مع كلّ حدث.
وظّف عوض الجسد بطلًا لمعرضه، لكنه لم يصوّر الفلسطينيين مجرد ضحايا أو أجساد ميتة. بل لجأ إلى خطوطٍ بسيطة ومختزلة (سواء للعينين، أو الفم، أو إيماءات اليد) لنذهب إلى دواخلهم ونرى المأساة معهم، وبالتالي كان الجسد لغة الجدارية وبطلها الذي نفهم من خلاله المجازر والمأساة التي يعيشها.
لحظات من الخروج
تقع المجازر (اللوحات) بين خطين، السفليّ هو الأرض والعلويّ هو السماء، كما يقول عوض. بالتالي لا يوجد مخرج أو منطقة آمنة بين الخطين، بل هي مساحة مزدحمة من الموت ومقاومته يوميًا، ضيّقة ومحاصرة.
لكن، في لحظات قليلة، هناك خروج عن الخطين. ففي المتر الأخير نجد «كومة» من الصحفيين الشهداء تنتهي فوق السماء، كأنّ المسافة بين الأرض والسماء لا تكفي لكلّ هذا الموت. وقد تعمّد عوض أن يضع الصحفيين في المتر الأخير. سنمشي قرابة تسعة أمتار قبل أن نصل إلى أول صحفيّ ثمّ الثاني ثمّ مجموعة أكبر ثمّ «كومة» أكبر، وقد تمثّلت بأشكال مختلفة للموت. في المتر الأخير سنعرف أنّ كلّ ما رأيناه نقل إلينا بجهود الصحفيين، والآن وقد استشهدوا تنتهي الصورة (المعرض) ولكن الإبادة لم تنتهِ.

في لحظة أخرى نجد يدين تدفعان الخطّ العلويّ وتقطعانه. وفي موقعٍ آخر ثمة يدان تخرجان وتفلتان من الخط العلويّ باحثتين عن النجاة. وفي لوحةٍ أخرى نجد الخطّ العلويّ يتمزق ولكن ليضغط أكثر على الشهداء أسفله. نجد كذلك شَعرًا لشهيدة ينزل تحت الخطّ السفليّ، وقدمًا لشهيد امتلأ بطنه بالأعشاب والورود سقطت كذلك أسفل الخط
يقول عوض إنّه أشفق على شخصياته، ومرض وأصيب بالحمّى وهو يعيش معها أحداث «المعرض»، لكنّه لم يستطع تجميل ما يحدث، فسعى معها لخلق مخرج أو نجاة، ليجعلها تدفع الأرض تحتها والسماء فوقها. ولم يستخدم الألوان إلّا في رسمتين، وكلتاهما فوق الخطّ العلويّ. الأولى لبلالين مربوطة بخيطٍ، لا يتلوّن منها سوى ما خرج عن الخط، بينما ظلّت الطفلة التي تمسك الخيط بلا ألوان، ولنا أن نتخيّل أنّها عندما تطير معها خارج الخط ستصبح بالألوان. الثانية لطفلة مرفوعة إلى الأعلى، فتظهر هي واليدان بالألوان، أمّا ما تبقّى من جسد حاملها (تحت الخط) فهو بلا ألوان. قد نجد في اللون بعض الأمل، أو بوصف عوض حياة ما، ولكنّها ليست في واقع الإبادة بين الأرض والسماء، وإنما في مكانٍ آخر لا يعرفه.

يمكن للبعض أن يقرأ المعرض على أنه عدمي وسوداوي، سيّما أنّ نهايته فراغ أسود (لنا أن نكمله كون الصحفيين استشهدوا). لكن عوض يرى شيئًا مختلفًا، إذ يقول إنه فقط موجع مثل عالمنا. أمّا تمزيق الخطين فالغرض منه دفع الزائر للبحث عن نجاة ما، وهو ما يضعه في موقع التفاعل مع الحدث، أمّا إن تورّط بالمشاهدة، فسيجد نفسه أمام مأساة يصعب نسيانها أو تجاهلها. يقول عوض إنّ نشرات الأخبار وفيديوهات الإبادة تسهّل على الناس عملية النسيان، بمعنى أنّ تكرار المشاهد يدفعه للاعتياد والترويض من ثمّ النسيان. المعرض يورّط المتفاعل (الزائر) بما يحدث ويدفعه لأن يرى.
في معارضه السابقة، كانَ عوض يسعى أن يري الناس المخيّم بصدقٍ، وأن يذكّرهم بوجوده دائمًا. كانَ يعتمد على شخصية رئيسية، وكانَ يشاركها الإحساس بمصيبتها، ليس بكونه لاجئًا وحسب، بل بأن يخوض تجربة الشخصية حسيًا وعاطفيًا، كأن يجرح نفسه بشفرة ليرى أثرها على شخصيته، أمّا في «عشرة متر» فلا يوجد بطل وإنّما عدد مهول من الشخصيات التي تألم معها حسيًا وعاطفيًا على مدى سنتين من الرسم ومحاولات الفهم، فكان معرضه بمثابة دعوة للإحساس المشترك بما يحدث، وبالتالي التفكير حياله.
على افتراض أنّ الفن ليس تعبيرًا عن الواقع وإنّما مدخلًا لفهمه، يمكن القول إن «عشرة متر» تسجيل مستفزّ لما يجري في غزّة، لا حلول فيه ولكن لا تخفيف من المأساة. عمل يستفزّ المتفرّج دون أن يسمح له بالتنفيس أو التطهير، ويضعه داخل الحدث دون أن يندمج فيه. وإذا افترضنا أنّ أبرز أدوار الفن هي دفع الناس ليروا العالم الذي ينغمسون فيه وفق ديفيد ديفيس في كتابه «تخيل الواقعي»، فإنّ الأمتار العشرة المزدحمة بالقسوة والألم تجبر الزائر على ذلك.

