عوامل متداخلة تضغط على الحركة التجارية في الحسكة
تشهد أسواق مدينة الحسكة في شمال شرقي سوريا حالة من الركود الملحوظ خلال الأسابيع الأخيرة، في ظل تراجع الإقبال على الشراء وازدياد شكاوى التجار من ضعف الحركة، وهو ما يعزوه عاملون في السوق ومواطنون إلى جملة من الأسباب المتداخلة، أبرزها ارتفاع سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار، وتوزع مناطق السيطرة بين المدينة وريفها، إلى جانب تداعيات الأزمة الإقليمية التي أثّرت على سلاسل الإمداد والتجارة.
وبحسب جولة ميدانية أجرتها عنب بلدي في سوق المدينة المركزي، بدت المحال التجارية أقل ازدحامًا مقارنة بالفترات السابقة، مع تراجع واضح في حركة البيع، لا سيما في محال المواد الغذائية والألبسة، التي عادة ما تشهد نشاطًا مستمرًا.
ارتفاع سعر الصرف يربك السوق
أحمد الحسن صاحب محل لبيع المواد الغذائية في وسط المدينة، قال لعنب بلدي، إن التغيرات الأخيرة في سعر صرف الليرة السورية انعكست بشكل مباشر على الأسعار، وأدت إلى حالة من التردد لدى الزبائن.
وأضاف، “عندما يرتفع سعر الليرة أمام الدولار، من المفترض أن تنخفض الأسعار، لكن ما يحدث فعليًا هو العكس في كثير من الأحيان، بسبب عدم استقرار السوق وتخوّف التجار من الخسارة، ما يدفعهم إلى تثبيت الأسعار أو حتى رفعها بشكل احترازي”.
وأشار إلى أن “الموردين أنفسهم لا يلتزمون بتسعيرة واضحة، بل يبيعون وفق توقعاتهم للسوق، وهذا ينعكس على التاجر الصغير الذي يجد نفسه مضطرًا لتحميل الفارق على المستهلك”.
من جهته، قال محمد العلي وهو صاحب محل ألبسة في سوق المدينة، لعنب بلدي، إن الركود الحالي يُعد الأسوأ منذ بداية العام، مؤكدًا أن “الزبائن يكتفون بالسؤال عن الأسعار دون الشراء، وغالبًا ما يغادرون بعد المقارنة”.
وأضاف، “الناس أصبحوا يخشون من إنفاق المال في ظل عدم وضوح الوضع الاقتصادي، خاصة أن الأسعار تتغير بسرعة، والدخل لا يواكب هذه التغيرات”.
أسعار صرف الليرة السورية مقابل الدولار الأمريكي شهدت تقلبات حادة خلال الأيام القليلة الماضية، إذ سجلت ارتفاعًا ملحوظًا لتصل إلى نحو 12800 ليرة للدولار الواحد، بعد أن كانت دون حاجز 12 ألف ليرة، قبل أن تعاود الانخفاض مع افتتاح تداولات اليوم، الأربعاء 8 من نيسان، مدفوعة بإعلان هدنة بين الولايات المتحدة وإيران.
خلال فترة الارتفاع، عمد تجار الجملة في أسواق الحسكة إلى رفع أسعار المواد، ما انعكس مباشرة على أسعارها لدى تجار المفرّق، وبالتالي على المستهلك النهائي.
في المقابل، لم تشهد الأسعار أي انخفاض يُذكر مع تراجع سعر الصرف، وهو ما أثار استياء واسعًا لدى المستهلكين، إلى جانب تذمر عدد من تجار المفرّق الذين وجدوا أنفسهم عالقين بين ارتفاع تكلفة الشراء وضغط الزبائن.
تراجع القدرة الشرائية
يعكس تراجع الإقبال في الأسواق حالة أوسع من انخفاض القدرة الشرائية لدى السكان، وهو ما أكده عدد من السكان.
قال أحد سكان المدينة، وهو موظف حكومي يُدعى حسين الخلف، إنه أصبح يشتري فقط الاحتياجات الأساسية، متجنبًا أي مصاريف إضافية، موضحًا أن “الراتب لم يعد يكفي لأكثر من نصف الشهر، والأسعار في ارتفاع مستمر، حتى مع تحسن سعر الصرف”.
وأضاف، “كنا نأمل أن يؤدي تحسن الليرة خلال الساعات الأخيرة إلى انخفاض الأسعار، لكن ما حدث هو العكس، وهذا جعلنا نفقد الثقة في السوق”.
في السياق نفسه، قالت وضحة قدور من سكان الحسكة، إنها خفّضت مشترياتها إلى الحد الأدنى، مضيفة أن “الأسعار غير مستقرة، وكل يوم هناك تسعيرة جديدة، وهذا يربكنا كعائلات”.
وبحسب وضحة، فإنه ارتفاع الأسعار شمل حتى المواد الأساسية مثل السكر والزيت، و”لم نعد قادرين على تخزينها كما في السابق”.
اختلاف السيطرة يزيد التعقيد
إلى جانب العوامل الاقتصادية، يلعب الواقع الأمني والجغرافي دورًا مهمًا في التأثير على حركة الأسواق، إذ تخضع مدينة الحسكة لسيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، في حين يسيطر الجيش السوري على أجزاء من الريف المحيط، ما يخلق حالة من الانقسام تؤثر على تنقل السكان.
وقال أحد أصحاب المحال (تحفظ على نشر اسمه لأسباب أمنية)، إن “جزءًا كبيرًا من الزبائن كانوا يأتون من الريف، لكن في الفترة الأخيرة تراجع حضورهم بشكل واضح، بسبب مخاوف أمنية”.
وأوضح أن “الكثير من سكان الريف يتجنبون الدخول إلى المدينة خوفًا من التعرض لمساءلات أو ملاحقات، خاصة مع اختلاف الجهات المسيطرة، وهذا أثر بشكل مباشر على حجم المبيعات”.
من جهته، أشار أحد الزبائن القادمين من ريف الحسكة، عبد الكريم ع.، إلى أنه بات يتردد كثيرًا قبل التوجه إلى المدينة، موضحًا أن “الوضع الأمني غير مريح، وهذا يجعلنا نفكر مرتين قبل النزول للتسوق”.
وأضاف، “نحاول الاعتماد على المحال في القرى، رغم أن أسعارها أعلى أحيانًا، لكننا نتجنب المخاطر”.
اضطراب الإمدادات بفعل الأزمة الإقليمية
يرى الخبير الاقتصادي سامر العلي، أن ما يحدث في أسواق الحسكة لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي الأوسع، مشيرًا إلى أن التوترات الأخيرة في الشرق الأوسط، لا سيما الضربات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، كان لها تأثير غير مباشر على الأسواق المحلية.
وأوضح أن “هذه التطورات أدت إلى اضطراب في طرق التجارة، ما تسبب في تأخير وصول البضائع وارتفاع تكاليف النقل”.
وأضاف أن “ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إلى جانب المخاطر الأمنية، انعكس على أسعار السلع في الأسواق السورية، بما فيها الحسكة”.
وأشار إلى أن “التجار يلجؤون في مثل هذه الظروف إلى رفع الأسعار كإجراء احترازي، تحسبًا لأي انقطاع في الإمدادات أو ارتفاع إضافي في التكاليف”.
تداخل العوامل يفاقم الأزمة
بحسب الخبير، فإن الأزمة الحالية هي نتيجة تداخل عدة عوامل، وليس سببًا واحدًا فقط، موضحًا أن “اضطراب سعر صرف الليرة ينعكس سلبًا على الأسعار بسبب غياب الاستقرار، ووجود توقعات متضاربة لدى التجار”.
وأضاف أن “الانقسام الجغرافي بين مناطق السيطرة يعوق حركة التجارة الداخلية، ويحد من تدفق الزبائن، خاصة من الريف إلى المدينة”.
وأكد أن “العامل الإقليمي زاد من تعقيد المشهد، حيث أدى إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد، ما انعكس بدوره على الأسعار النهائية”.
حلول غائبة وتوقعات ضبابية
في ظل هذه المعطيات، تبدو الحلول محدودة، خاصة مع غياب تدخلات فعالة لضبط الأسعار أو دعم السوق.
وقال التاجر خالد الدرويش، إن “الرقابة شبه غائبة، وكل تاجر يحدد سعره وفق تقديره، وهذا يخلق فوضى في السوق”.
وأضاف، “نحتاج إلى استقرار في سعر الصرف، وضبط في الأسعار، إضافة إلى تسهيل حركة التنقل بين الريف والمدينة”.
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي أن “تحسن الوضع يتطلب معالجة شاملة، تشمل استقرار سعر الصرف، وتحسين بيئة التجارة، وتقليل القيود على التنقل”.
وأضاف أن “أي تحسن في أحد هذه العوامل دون الآخر لن يكون كافيًا لإعادة النشاط إلى الأسواق”.
بين الحذر والانتظار
في المحصلة، يعيش سوق الحسكة حالة من الترقب والحذر، في ظل غياب مؤشرات واضحة على تحسن قريب، بينما يواصل السكان تقليص نفقاتهم، ويبحث التجار عن سبل للبقاء في سوق تتزايد فيه التحديات.
ويبدو أن استمرار هذه الحالة مرهون بتطورات داخلية وإقليمية، قد تعيد رسم ملامح السوق، أو تعمّق أزمته، في وقت يترقب فيه الجميع انفراجة تعيد الحياة إلى الأسواق وتخفف الأعباء عن السكان.



