... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
212172 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 6926 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانيتين

عوالم سينما رومان بولانسكي .. الظلام مرآة للذات والسينما فعل للبقاء

ترفيه
هسبريس
2026/04/18 - 23:00 502 مشاهدة

الحلقة 1:

تفتح جريدة “هسبريس الإلكترونية” هذه السلسلة النقدية الممتدة عبر أربع حلقات متتالية، والتي تسعى من خلالها إلى الاقتراب من سينما رومان بولانسكي، وتفكيك ملامح هذا الكون المأزوم، من المدينة كمتاهة نفسية إلى الجسد كساحة للهيمنة، ومن الشك كآلية إدراك إلى الانهيار كمسار بطيء للوجود، إذ إنها قراءة تستنطق الصور وتعيد مساءلة الخوف بوصفه بنية خفية لا حدثًا عابرًا في سينما تجعل الإنسان غريبًا حتى عن نفسه، وفي سينما رومان بولانسكي يتكشف العالم كنسيج من القلق المتراكم، حيث لا تنفصل الحكاية عن الإحساس العميق بالاختناق، كما لا تتحرك الشخصيات داخل فضاء محايد، بل داخل منظومة تضغط عليها نفسيًا ووجوديًا، وذلك باعتقاد راسخ لدى المخرج أن “السينما يجب أن تجعلنا نشعر بعدم الأمان”

فما الذي يدفع المخرج إلى إعادة صياغة الرعب كصورة للوجود، وكيف تتحول العزلة إلى مسرح لانهيار الذات، وأي علاقة تربط بين الغرفة المغلقة والمجتمع المفتوح، وفي كل مشاهدة لأفلام رومان بولانسكي ينهض السؤال بحدة: هل السينما مرآة تعكس هشاشتنا أم مختبر يختبر حدود الجنون والشر، ففي فيلم “الطفل روزماري” (1968) تقول روزماري في لحظة رعب وجودي: «هذا ليس مجرد خوف، هذا شيء ينهشني من الداخل»، وتفتح هذه الجملة الباب أمام مسار طويل من الأسئلة التي تحكم سينما بولانسكي وتجعلها تجربة بصرية ونفسية لا يمكن تجاوزها

السينما كفعل للبقاء

تشكل سينما رومان بولانسكي (من 18 غشت 1933)، الحامل للجنسية البولندية والفرنسية، أحد أهم التيارات التي جمعت بين الرعب النفسي والدراما الوجودية، حيث تُبنى الحكايات على شخصيات محاصرة بالقلق والجنون وبقوى غامضة تتجاوزها، كما تنتمي هذه السينما إلى حقل مركب يجمع بين الواقعية القاسية والتعبيرية السوداء، لتضع المشاهد أمام مرآة تعكس الجانب المظلم من ذاته، وتظهر الإشكاليات الكبرى عبر أسئلة العزلة والهوية والعنف والشر، حيث يتكرر المكان المغلق كفضاء يختبر حدود النفس البشرية ويعري هشاشتها

وتدفع قصص بولانسكي المتفرج إلى مواجهة الخوف كحقيقة داخلية قبل أن يكون حدثًا خارجيًا، ففي فيلم Repulsion / “الاشمئزاز” (1965) تُصوَّر بطلة الفيلم في حالة انهيار تدريجي، إذ ترفض العالم وتنهار داخل شقتها، لتتحول الجدران إلى شقوق مرعبة، بينما تصبح الأصوات البسيطة تهديدًا حقيقيًا، ويتجلى هنا البعد البصري حيث يتحول المكان إلى بطل إضافي يعكس الحالة النفسية ويضاعف من حدة القلق، كما يتكثف السرد عبر الاقتصاد في الحوار، فيتحول الصمت والفراغات إلى لغة بديلة عن الكلام تجعل المتلقي في قلب التجربة

وتتوسع هذه السينما لتكشف عن أبعاد فلسفية وثقافية تتصل بتاريخ بولانسكي الشخصي، إذ عايش الحرب والمنفى والملاحقة، وكلها انعكست في أعماله كخلفية وجودية للقلق، وتشتغل أفلامه على تفكيك فكرة الأمان وتعرية المؤسسات، سواء كانت الأسرة أو المجتمع أو الدولة، ففي فيلم The Pianist / “عازف البيانو” (2002) نسمع البطل وهو يقول: «كنت أريد أن أعيش، حتى لو كان العيش يعني الاختباء»، ولا تعبر هذه الجملة عن النجاة الفردية فقط، بل تختزل فلسفة كاملة ترى في السينما فعلًا للبقاء ووسيلة لمساءلة التاريخ والذاكرة

السينما: لعبة المرايا المتداخلة

تتحول الهوية السردية في سينما بولانسكي إلى لعبة مرايا متداخلة، حيث يظهر البطل مشوشًا ممزقًا بين واقعه وهلاوسه، كما تتشكل الخطابية عبر الغموض وبناء مواقف ملتبسة تجعل الحقيقة دائمًا معلقة، أما الهوية البصرية فتقوم على معمارية المكان الضاغط، وعلى لقطات طويلة تضغط الإحساس بالحصار، وعلى إضاءة حادة تجعل من الظل شخصية إضافية

ويطرح بولانسكي قضايا تتعلق بالشر بوصفه قوة متغلغلة في الإنسان لا مجرد تهديد خارجي، ففي فيلم Chinatown / “الحي الصيني” (1974) يقول البطل جاك غيتيس: «أنت لا تعرف نصف ما يجري»، وهذه العبارة تختصر رؤية سوداوية عن عالم تحكمه المصالح، حيث يتوارى العدل وتبقى الحقيقة محجوبة خلف ستار من التواطؤ والفساد، ويتحول السرد هنا إلى خطاب سياسي واجتماعي يفضح الوجه المظلم للحداثة الأمريكية، رابطًا بين الجريمة الفردية والانهيار البنيوي للمؤسسات

وتؤطر الخلفيات الفلسفية هذه السينما عبر إرث الوجودية والعبثية، حيث لا تقدم الأفلام حلولًا بقدر ما تدفع إلى مواجهة الأسئلة، وينغمس المشاهد في الحكاية لا ليجد الخلاص بل ليكتشف هشاشة الكائن أمام المجهول، كما يتكرر حضور المرأة كصوت يواجه العنف وكذات تحاول النجاة في عالم يلتهمها، بينما يظهر الرجل ممزقًا بين الرغبة في السيطرة والعجز أمام قوى أكبر منه

وتمتد سينما بولانسكي عبر عقود مختلفة، لكنها حافظت على سماتها: مكان مغلق يضغط على الشخصيات، وخوف يتسرب من التفاصيل الصغيرة، ونظرة جمالية تجعل الرعب فعلًا بصريًا أكثر منه حدثًا دمويًا، ويتجلى البعد النفسي في تفكيك الهواجس الداخلية، كما يتجلى البعد الرمزي في تصوير الشر كظل يرافق الإنسان دائمًا، أما البعد الجمالي فيرتكز على لغة سينمائية صارمة تجعل كل تفصيلة محسوبة، من حركة الكاميرا إلى اختيار الألوان

وتخلق الروابط بين أفلام بولانسكي مسارًا واحدًا: رحلة في ظلام الإنسان، ففي فيلم The Tenant / “المستأجر” (1976) يعيد أسئلة الهوية والاغتراب عبر شخصية تنهار تحت ضغط العزلة والنبذ، بينما يقدم في فيلم Carnage / “مجزرة” (2011) فضاء مغلقًا آخر تتحول فيه المجاملة الاجتماعية إلى عنف لفظي يكشف أن القشرة الحضارية واهية، وكل هذه الأعمال تؤكد أن بولانسكي يتعامل مع السينما كوسيلة لسبر أغوار الإنسان لا كترفيه سطحي

وتظل سينما بولانسكي مشروعًا بصريًا وجماليًا يسائل معنى الوجود في عالم هش، إذ يلتقط لحظة الرعب كحقيقة كونية ويعيد رسمها كل مرة من زاوية مختلفة، وفي لحظة من The Ghost Writer / “كاتب الأشباح” (2010) يقول البطل: «الحقيقة لا تختفي، إنها تنتظر من يجرؤ على كشفها»، وتلخص هذه العبارة جوهر هذه السينما التي تفضح الزيف وتعيد بناء المجهول كمساحة للتفكير، إنها سينما تجعل من الظلام لغة ومن القلق فلسفة، وتبقى مفتوحة على أسئلة لا تهدأ

العالم كمتاهة للخوف والرغبة

في قلب سينما رومان بولانسكي ينهض البطل ككائن مأزوم تتنازعه قوى الداخل والخارج، وتدفعه إلى مواجهة عوالم تبدو مائلة دائمًا نحو التهديد والتشظي، ويبدأ هذا البطل في مساره منذ اللحظة الأولى ككائن يجر خلفه جراحًا شخصية وأثقالًا جماعية، فيصبح حاملًا لمرآة عاكسة للإنسان الحديث وهو يصارع هشاشته واغترابه، كما تتخذ رؤيته للأشياء طابعًا ضبابيًا، إذ يرى العالم كمتاهة تتشابك فيها الخوف مع الرغبة، والوحدة مع الحاجة إلى الآخر، والعدالة مع السقوط في براثن القوة القاهرة، وتُبنى تمثلاته لذاته في أفلام بولانسكي كرحلة دائمة للبحث عن موقع داخل عالم يرفض الاعتراف بإنسانيته، فيتحول إلى شاهد وضحية ومتهم في آن واحد

ويتجلى هذا البطل في فيلم “طفل روزماري” (1968)، حيث تصبح روزماري مرآة للخوف الأنثوي من التواطؤ الاجتماعي مع الجسد ومن السيطرة الذكورية التي تختبئ خلف واجهات الحنان والطمأنينة، وتقول روزماري في لحظة انكسارها: «هذا الطفل ليس ملكي، إنه شيء غريب زرعوه داخلي»، وتكشف الجملة عمق الرؤية التي تحكم بولانسكي في رسم مصير أبطاله، فالأمومة نفسها تتحول إلى جحيم، والجسد الأنثوي يغدو ساحة للغزو الرمزي الذي يعكس أشكال السيطرة في المجتمع

ويتخذ البطل في Chinatown / “الحي الصيني” (1974) صورة المحقق الخاص جيك غيتيس، الذي يظن أنه يملك أدوات السيطرة على مساره، غير أن الأحداث تجره إلى مواجهة فساد اقتصادي وسياسي يتجاوز كل قدراته، فتتحول العدالة في عينيه إلى وهم، ويعترف في النهاية بمرارة العاجز: «انسَ الأمر يا جيك، إنه الحي الصيني»، وتظل الجملة شاهدًا على عجز البطل عن مواجهة منظومات أكبر منه، وهنا تتضح رؤية بولانسكي التي تجعل البطل محاصرًا بين الرغبة في الدفاع عن قضيته وبين الوقوع في فخ القوة التي لا ترحم

وينفتح البطل في فيلم “عازف البيانو” (2002) على بُعد إنساني أكثر مأساوية، حيث يصبح الموسيقي اليهودي فلاديسلاف شبيلمان رمزًا للإنسان الذي يقاتل من أجل البقاء وسط آلة الدمار النازية، ويتحول العزف على البيانو إلى وسيلة لمقاومة الفناء، ويقول شبيلمان وهو ينظر إلى أصابعه الهزيلة: «كل ما أملكه هو موسيقاي، وكل ما تبقى لي هو الحياة»، وتعكس هذه الجملة الأبعاد الرمزية التي يحيكها بولانسكي حول الفن كمساحة للصمود أمام انهيار العالم، وحول البطل الذي ينجو لأنه يملك لغة أخرى غير لغة السلاح

ثلاثية تفكيك الأسرة والاغتراب وسيطرة المؤسسات

يتأسس البعد الاجتماعي في سينما رومان بولانسكي على تفكيك الأسرة والاغتراب وسيطرة الأطر المؤسساتية على الفرد، ففي فيلم “مجزرة” (2011) تتكشف وحشية العلاقات الإنسانية من خلال محادثة عابرة بين زوجين، لتصبح الجدران الأربعة مكانًا لفضح عنف المجتمع البرجوازي المقنع بلباقة ظاهرية، ويتسابق الأبطال في تبادل الكلمات كسكاكين، ويقول أحدهم بحدة: «نحن لسنا أفضل من أطفالنا، نحن أكثر نفاقًا فقط»، لتتحول الجملة إلى تشريح للانهيار الأخلاقي الذي يختبئ خلف الأناقة والرتابة

ويمتد البعد السياسي إلى مساءلة السلطة وأشكال الفساد المتجذر في المجتمع، كما في “كاتب الأشباح” (2010)، حيث يواجه الكاتب المجهول شبكة من الأكاذيب السياسية، ويتحول النص المكتوب إلى سلاح يفضح علاقات السلطة والمال، وتتراءى عبره رؤية بولانسكي للعالم كنسيج تحكمه المؤامرات والخيانات، وتضع البطل دائمًا في مواجهة مع قوى قاهرة تسعى إلى محو صوته

ويحضر البعد الاقتصادي في تصوير الفوارق الطبقية التي تسحق الأفراد وتدفعهم نحو الانهيار، ويتجلى ذلك في فيلم “المستأجر” (1976)، حيث يصبح البطل تريلكوفسكي محاصرًا بين جدران عمارة تجسد سلطة الملكية والفضاء الاجتماعي الذي يسلبه هويته، ويقول بصوت مبحوح: «أنا لست نفسي بعد الآن، أنا أصبح هي»، في إشارة إلى ذوبانه في صورة الساكنة السابقة للشقة، ويتحول المكان هنا إلى كيان مفترس يمحو الفروق بين الأفراد ويذيبهم في شبكة من الانصهار المَرَضي

سينما الفضاءات الملبدة بالظلال

يمتد البعد النفسي في سينما رومان بولانسكي ليكشف عن الهواجس الداخلية التي تلتهم أبطال بولانسكي، إذ تتسلل المخاوف والوساوس والانهيارات العصبية إلى بنية الحكاية لتجعلها فضاءً ملبدًا بالظلال، ففي فيلم Repulsion / “الاشمئزاز” (1965) تتفتت البطلة كارول تحت ضغط وحدتها، وتغرق في متاهات عقلها المظلم، وتقول في لحظة هذيان: «الجدران تتحرك، كل شيء يضيق حولي»، وهو تصريح يعكس انغلاق العالم على الذات في لحظة انهيارها

وتتجسد الأبعاد الرمزية عبر الصور البصرية التي تجعل المكان مرآة للداخل الإنساني، وتجعل الأشياء اليومية محملة بإيحاءات التهديد، ويغدو الباب المغلق، والنافذة المفتوحة، والمرآة المشروخة رموزًا لانقسام الذات وارتباكها أمام مصائرها، كما يبني بولانسكي سرديته على التفاصيل الصغيرة التي تتراكم لتصنع عالمًا خانقًا، وتؤكد أن المأساة تنبع من أبسط الأشياء

وتُنبنى الأبعاد الجمالية في هذه السينما على اقتصاد بصري حاد، يميل إلى استخدام الإضاءة المنخفضة، والزوايا الضيقة، والديكورات المغلقة التي تدفع المشاهد إلى الشعور بالحصار ذاته الذي يعيشه البطل، وتتحول الكاميرا إلى عين قلقة تلاحق الكائن وهو يتآكل داخل فضاء مغلق، لتنتج لغة بصرية تتماهى مع الخطاب النقدي الذي يوجهه بولانسكي ضد بنى القمع والسيطرة

وتتأسس الأبعاد النقدية على مساءلة السلطة الأبوية، والعلاقات الاجتماعية الزائفة، وآليات السيطرة السياسية والاقتصادية، من خلال جعل البطل شاهدًا ومتهمًا في آن واحد، وتفضح هذه السينما الوجه الآخر للحداثة، حيث تغدو الحرية وهْمًا، والعدالة لعبة، والإنسان دمية تتقاذفها قوى أكبر منه

ختامًا

يمكن القول إن سينما بولانسكي، عبر هذا المسار الطويل، تشكل مختبرًا للكائن الإنساني وهو يواجه هشاشته وعنف العالم المحيط به، إذ يتخذ البطل فيها هيئة الغريب الدائم الذي يجر جرحه إلى الأمام وهو يبحث عن معنى لحياته داخل متاهة لا تنتهي، وكأن عبارة جيك غيتيس في “الحي الصيني” تعود لترسم الخاتمة: «انسَ الأمر يا جيك، إنه الحي الصيني»، وهذه العبارة تظل شاهدًا على عبثية المواجهة وعلى مأساة البطل الذي يستمر في السير رغم يقينه بأن العالم لن يمنحه أبدًا خلاصًا

The post عوالم سينما رومان بولانسكي .. الظلام مرآة للذات والسينما فعل للبقاء appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤