في "الكيت كات" يطمح يوسف، نموذج الشاب المصري في بداية التسعينات، في السفر، يريد الخروج من دائرة الإحباط الجهنمية والسعي إلى حياة أفضل. لا نعرف الكثير عنه سوى أنه يعزف العود ولديه كتب كثيرة وفي ما يبدو هو متعلم ومعروف بذلك، وهو ما لم يثر ريبة الجدة (أمينة رزق) من طلب فاطمة (عايدة رياض) أن يكتب يوسف خطابا سترسله الى زوجها، أو هكذا كانت حجتها في الوصول إليه. يوسف ايضا عاطل عن العمل، يعيش مرارة الواقع ويعجز عن مواجهته، فكيف بتغييره. ذلك العجز الذي عبرت عنه علاقته مع فاطمة، والذي تغلب عليه أخيرا بعد مواجهته لرجال المعلم صبحي – رجل واحد بحجم أربعة – الذين حاولوا تهديد والده في عرض النيل. تنتهي سلبية يوسف وعجزه وفي مشهد النهاية، حيث يضحك هو والشيخ حسني لأنه أدرك أخيرا أن الخروج لن يحل مشكلة العجز بل العكس من ذلك.

يوسف إذن هو الشخصية التي تتطور، لا الشيخ حسني الذي يبدو محور الأحداث. يوسف ايضا هو السبب في تلك الدراما التي تبنى حول بيع الشيخ حسني للبيت، الخط الدرامي الذي هو بمثابة العمود الفقري للفيلم، والذي تدور في أرجائه بقية المشاهد والخطوط التي ترتبط بحياة الحي ككل. لم يبع الشيخ حسني البيت من أجل الحشيش وإنما ليتمكن من تغطية تكلفة سفر يوسف. في الوقت نفسه، تناول عبد السيد حبكته المفضلة في غالبية أفلامه بطريقة غير مباشرة. فهو ينطلق عادة من حبكة بسيطة تدور حول شخصية تعيش حياة روتينية بلا هدف وتجد نفسها فجأة في تجربة مختلفة تماما تقلب حياتها رأسا على عقب قبل أن تعود مجددا إلى حياتها العادية ولكن بعد أن تكتشف ذاتها المختلفة وقدراتها غير العادية الكامنة في إنسانيتها وحسب.

تلك الحبكة التي رأت النور لأول مرة مع "البحث عن سيد مرزوق"، تتكرر في أشكال مختلفة وخطوط درامية متعددة وباسئلة مختلفة بعض الشيء في "أرض الأحلام" و"أرض الخوف" و"مواطن ومخبر وحرامي" و"رسائل البحر" وحتى في آخر أفلامه "قدرات غير عادية". أما في "الكيت كات" فجاءت بشكل غير مباشر. ففي التجربة يتعرف كل من يوسف والشيخ حسني الى الآخر وتتقارب تجارب كل منهما في مواجهة عجزه. إبراهيم أصلان المتيم بالسينما وأحد رواد "نادي القاهرة السينمائي" في أواخر الستينات وبداية السبعينات، وداوود عبد السيد المتيم بالأدب والذي حتما تقاطعت مساراته مع أصلان، شكل كل منهما يوسفه الخاص الذي يعبر عنه وعما يريد قوله.
حلم اليوم التالي
نشرت مجلة "الكتابة الأخرى" القاهرية في 1994 ملفا عن السينما شارك فيه مخرجون من أجيال مختلفة: رأفت الميهي، خيري بشارة، يسري نصر الله، خالد الحجر، وداوود عبد السيد. أرسل الأخير مقالا غاضبا عن أزمة السينما كان نشره في صحيفة "الأهالي" عام 1994، ولخص فيه رؤيته للسينما التي تنحاز للإنسان العادي بمزاياه واخطائه، سينما تنظر إليه بحب لا بنظرة شرطي أو قاض أو واعظ. ومن هذا المنطلق يدافع عن إطار عام يحترم حرية الفنان وتمرده في التعبير عن تجاربه الإنسانية، في إطار يتحدى السلطة سواء كانت فكرية أو سياسية أو حتى بيد المتنفذين داخل الوسط السينمائي ذاته. أي سينما تؤمن بدورها كفن ورسالة إنسانية بالمعنى الأشمل ولا تنساق وراء حسابات السوق والربح والخسارة وحدها. تمر السنون وتتبدل الأحوال، وفي أحاديثه الأخيرة خاصة بعدما أعلن اعتزاله السينما منذ بضع سنوات، لتبرز الإشكاليات والهموم والاسئلة، نفسها، وكذلك الأحلام نفسها. اعتزال عبد السيد جاء نوعا من إعلان إحباطه ربما بعدم تحقق حلم السينما المختلفة، على المستوى العمومي، الحلم الذي يعود بالتأكيد الى ما قبل 1994، الى جماعة "السينما الجديدة" وبيانها الأول عام 1968.










