... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
199323 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7465 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

عن داوود عبد السيد الذي غادرنا ولم تغادرنا أحلامه

العالم
مجلة المجلة
2026/04/17 - 05:43 501 مشاهدة
عن داوود عبد السيد الذي غادرنا ولم تغادرنا أحلامه layout Fri, 04/17/2026 - 06:43

صنع المخرج السينمائي المصري الراحل داوود عبد السيد (1946-2025)، على قلة أفلامه النسبية، عالما كاملا يعكس التجربة الإنسانية بتعقيداتها واسئلتها وسعي أفرادها للتحرر، تاركا خلفه إرثا سينمائيا ضمن له مكانة متفردة في تاريخ السينما العربية وأثرا امتد لأجيال، بداية من مجايليه حتى أجيال تالية وصولا إلى وقتنا هذا.

بدا رحيل عبد السيد عن عالمنا قبل ثلاثة أشهر مفاجئا لمحبيه الكثر، بمن فيهم كاتب هذا المقال، إذ ربطتهم بصاحب "الصعاليك" و"البحث عن سيد مرزوق" و"الكيت كات"، علاقة شبه شخصية، وإن لم يعرفوه في طبيعة الحال، نمت عاما بعد عام، وفيلما بعد آخر، ليصبح مجموع أفلامه، بالنسبة إلى صناع السينما الشباب وعشاقها على السواء، نوعا من النموذج السينمائي الذي يصلح ردا على تهافت نماذج أخرى، وملهما لصنع سينما مختلفة ومتجددة. ولعل المفتاح في تجربة عبد السيد إدراك أنه لم يصنع أفلاما عن الناس بل صنعها مع الناس، أي سينما تتخاطب مع الناس ولا تخطب فيهم أو عنهم.

"الكيت كات"

التفكير بسينما داوود عبد السيد يبدأ من أول فيلم تشاهده له. بالنسبة إلى أبناء جيلي، أي جيل التسعينات، فإن هذا الفيلم سيكون على الأرجح "الكيت كات"، هذا الفيلم الذي يشدك كطفل بالأغاني، وكمراهق بالسخرية، وكشاب باقترابك إلى حد ما من يوسف (شريف منير)، بطل رواية "مالك الحزبن" الحقيقي، الذي لم يتحمل وطأة أن يكون الشيخ حسني (محمود عبد العزيز) أباه فحسب، بل حمل هما آخر هو هم كاتب الرواية إبراهيم أصلان وجيله.

ينتمي عبد السيد الى الجيل نفسه، إلا انه اختار أن يصنع دراما مختلفة تلقي نظرة على جانب مشترك بين جيله والأجيال التي تلته. ففي "مالك الحزين"، قدم أصلان عالما ساحرا جعل من حي إمبابة العريق ما يشبه "ماكوندو" غابرييل غارثيا ماركيز في "مائة عام من العزلة"، ولكن بشروطه الخاصة. في قلب الأحداث الساخرة المنسابة بسلاسة، شخصية يوسف، المثقف الذي يقف معادلا لإبراهيم أصلان ذاته وجيله. الجيل الذي وجد نفسه بين قوسين من الحراك الشعبي, 1972 وانتفاضات الطلبة التي تنعاها الذاكرة ويقف الحاضر شاهدا على انفلات أحلامها ومآلات أبطالها وانهيار ما تبقى من الزمن الماضي، وبين الراهن الذي تدور أحداث الرواية فيه والذي ينتهي، كما الرواية، بأحداث انتفاضة 1977. عودة أمل من نوع ما، عندما سقطت السلطة ولو ليوم واحد في المواجهة. انكسرت دائرة التراجيديا التي انحبس يوسف فيها، دائرة العجز. ربما كان ذلك هو الخيط الذي التقطه داوود عبد السيد في صوغه واقتباسه "مالك الحزين". لم يكن الدرس فقط في براعة الاقتباس المبتكر من وسيط إلى وسيط آخر، يمسك بروح العمل والمكان والخطوط العامة لشخوصه ولا يتقيد بالنسخ الحرفي للأحداث والحبكة، بل كان ايضا درسا في الحياة، حتى وإن لم يدركه عبد السيد.

صانع سينما مختلفة تخاطب الناس ولا تخطب فيهم
15 أبريل , 2026

لم يكن الدرس فقط في براعة الاقتباس المبتكر من وسيط إلى وسيط آخر، بل كان ايضا درسا في الحياة، حتى وإن لم يدركه عبد السيد

في "الكيت كات" يطمح يوسف، نموذج الشاب المصري في بداية التسعينات، في السفر، يريد الخروج من دائرة الإحباط الجهنمية والسعي إلى حياة أفضل. لا نعرف الكثير عنه سوى أنه يعزف العود ولديه كتب كثيرة وفي ما يبدو هو متعلم ومعروف بذلك، وهو ما لم يثر ريبة الجدة (أمينة رزق) من طلب فاطمة (عايدة رياض) أن يكتب يوسف خطابا سترسله الى زوجها، أو هكذا كانت حجتها في الوصول إليه. يوسف ايضا عاطل عن العمل، يعيش مرارة الواقع ويعجز عن مواجهته، فكيف بتغييره. ذلك العجز الذي عبرت عنه علاقته مع فاطمة، والذي تغلب عليه أخيرا بعد مواجهته لرجال المعلم صبحي – رجل واحد بحجم أربعة – الذين حاولوا تهديد والده في عرض النيل. تنتهي سلبية يوسف وعجزه وفي مشهد النهاية، حيث يضحك هو والشيخ حسني لأنه أدرك أخيرا أن الخروج لن يحل مشكلة العجز بل العكس من ذلك.

"الكيت كات"

يوسف إذن هو الشخصية التي تتطور، لا الشيخ حسني الذي يبدو محور الأحداث. يوسف ايضا هو السبب في تلك الدراما التي تبنى حول بيع الشيخ حسني للبيت، الخط الدرامي الذي هو بمثابة العمود الفقري للفيلم، والذي تدور في أرجائه بقية المشاهد والخطوط التي ترتبط بحياة الحي ككل. لم يبع الشيخ حسني البيت من أجل الحشيش وإنما ليتمكن من تغطية تكلفة سفر يوسف. في الوقت نفسه، تناول عبد السيد حبكته المفضلة في غالبية أفلامه بطريقة غير مباشرة. فهو ينطلق عادة من حبكة بسيطة تدور حول شخصية تعيش حياة روتينية بلا هدف وتجد نفسها فجأة في تجربة مختلفة تماما تقلب حياتها رأسا على عقب قبل أن تعود مجددا إلى حياتها العادية ولكن بعد أن تكتشف ذاتها المختلفة وقدراتها غير العادية الكامنة في إنسانيتها وحسب.

ملصق "أرض الخوف"

تلك الحبكة التي رأت النور لأول مرة مع "البحث عن سيد مرزوق"، تتكرر في أشكال مختلفة وخطوط درامية متعددة وباسئلة مختلفة بعض الشيء في "أرض الأحلام" و"أرض الخوف" و"مواطن ومخبر وحرامي" و"رسائل البحر" وحتى في  آخر أفلامه "قدرات غير عادية". أما في "الكيت كات" فجاءت بشكل غير مباشر. ففي التجربة يتعرف كل من يوسف والشيخ حسني الى الآخر وتتقارب تجارب كل منهما في مواجهة عجزه. إبراهيم أصلان المتيم بالسينما وأحد رواد "نادي القاهرة السينمائي" في أواخر الستينات وبداية السبعينات، وداوود عبد السيد المتيم بالأدب والذي حتما تقاطعت مساراته مع أصلان، شكل كل منهما يوسفه الخاص الذي يعبر عنه وعما يريد قوله.

حلم اليوم التالي

نشرت مجلة "الكتابة الأخرى" القاهرية في 1994 ملفا عن السينما شارك فيه مخرجون من أجيال مختلفة: رأفت الميهي، خيري بشارة، يسري نصر الله، خالد الحجر، وداوود عبد السيد. أرسل الأخير مقالا غاضبا عن أزمة السينما كان نشره في صحيفة "الأهالي" عام 1994، ولخص فيه رؤيته للسينما التي تنحاز للإنسان العادي بمزاياه واخطائه، سينما تنظر إليه بحب لا بنظرة شرطي أو قاض أو واعظ. ومن هذا المنطلق يدافع عن إطار عام يحترم حرية الفنان وتمرده في التعبير عن تجاربه الإنسانية، في إطار يتحدى السلطة سواء كانت فكرية أو سياسية أو حتى بيد المتنفذين داخل الوسط السينمائي ذاته. أي سينما تؤمن بدورها كفن ورسالة إنسانية بالمعنى الأشمل ولا تنساق وراء حسابات السوق والربح والخسارة وحدها. تمر السنون وتتبدل الأحوال، وفي أحاديثه الأخيرة خاصة بعدما أعلن اعتزاله السينما منذ بضع سنوات، لتبرز الإشكاليات والهموم والاسئلة، نفسها، وكذلك الأحلام نفسها. اعتزال عبد السيد جاء نوعا من إعلان إحباطه ربما بعدم تحقق حلم السينما المختلفة، على المستوى العمومي، الحلم الذي يعود بالتأكيد الى ما قبل 1994، الى جماعة "السينما الجديدة" وبيانها الأول عام 1968.

شكل كل من إبراهيم أصلان وداوود عبد السيد "يوسفه الخاص" الذي يعبر عما يريد قوله

وكما تقاطعت عوالم إبراهيم أصلان وداوود عبد السيد من خلال شحصية يوسف، تقاطعت عوالم مجلة "غاليري 68"، صوت جيل الستينات الغاضب، ومجلة "الكتابة الأخرى" في التسعينات. حلقات ودوائر من محاولات التمرد والاستقلالية، بينما السياق والإشكاليات تكاد تكون واحدة ولكن تتبدل بابتكار الزمن ورد الفعل، تماما كما اختلفت أزمة يوسف في الرواية ويوسف في الفيلم ظاهريا فقط، ولكن في القلب منها ظلت الاسئلة الأولى نفسها والأحلام نفسها والخوف نفسه، وربما القدرات غير العادية نفسها، تلك الكامنة في ما يبدو عاديا ويوميا حتى تخرجها التجربة إلى حيز الوجود.

REUTERS/Amr Abdallah Dalsh
المخرج المصري داود عبد السيد يحضر حفل افتتاح الدورة الأربعين من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دار الأوبرا، 20 نوفمبر 2018

التجربة إذن هي العنوان وهي الحدث الذي تتجلى فيه حقائق غائبة عن الوعي وإمكانات حرة وقدرات غائبة عن النفس وآفاق أخرى لم تدركها العين التي تدربت على الروتين ولم تخرج عن طوع سياقها. لأسباب مفهومة، لدى تلك الرؤية مفعول السحر على أبناء جيل التسعينات والألفية الجديدة ممن أحب افلام عبد السيد وعالمه. تتقاطع تلك التجربة المؤطرة لأفلامه مع التجربة الشخصية لهذا الجيل، في مصر على الأقل، الذي تشكلت أحلامه وهويته ووعيه الاجتماعي مع حدث استثنائي وهو الخامس والعشرين من يناير. وكما تقاطعت أفلام عبد السيد مع تجارب أبناء هذا الجيل، بقيت ايضا احدى علامات الاستفهام الكبرى. لم تخبرنا أي من تلك الأفلام عن اليوم التالي كيف يكون. كيف يستمر يحيى (أحمد زكي) وهو يحن إلى "أرض الخوف" سوى في شذرات سريعة لا تخبرنا ما يكفي. أما نحن فنعرف. نحتاج للتنقيب داخل أنفسنا كي نعرف ونعيد التعريف، نحن الذين لم نمر بحالة استثنائية واحدة بل حالات. حالات نالت منا جسديا ونفسيا وعصبيا، ومنا من لا يزال في حالة إنكار وكأن شيئا لم يكن، ومنا من يشعر بالعجز عموما. أترى يرتبط ذلك العجز العام بلحظة فقد عام أكبر؟ ربما كانت لحظة اليوم التالي هي ما يجب أن تكون عليه مواضيع أفلامنا، إذا أردنا أن تعبر عن جانب من التجربة على الأقل.

AFP
المخرج المصري داود عبد السيد يحمل جائزته خلال الدورة الثلاثين من مهرجان الإسكندرية السينمائي، 10 سبتمبر 2014

في عام 2014، عرض نادي السينما في الجامعة التي كنت أدرس فيها بالقاهرة، فيلم داوود عبد السيد الأول، "وصية رجل حكيم في شؤون القرية والتعليم". اخترنا الفيلم أولا لأننا أردنا عرض فيلم لعبد السيد ولأن الوقت المتاح لم يكن يسمح بعرض فيلم طويل ومناقشته، فجاء اختيار الفيلم التسجيلي المتاح لعبد السيد على "يوتيوب" اختيارا منطقيا، وثانيا وهو الأهم، موضوع الفيلم ذاته. المثير في الأمر أن الفيلم التسجيلي الذي اخرجه عبد السيد عام 1975 لم يفقد طزاجته ولا أهميته بعد كل هذه السنين. ظل محفزا على النقاش حتى مع ضيق وقت الاسئلة. ربما لم يفهمه أو يستوعبه بعض الحضور – ولعدم لجودة الصورة المتاحة عامل رئيس في ذلك – ولكن من تجاوب معه تجاوب بصدق ووعي بأهمية ما يطرحه الفيلم ومخرجه. كانت تلك هي حالة سينما عبد السيد بالقياس إلى جمهور أعرض وأفلام أطول وعمر من صناعة السينما امتد منذ منتصف الثمانينات حتى اللحظة.


ربما كانت لحظة اليوم التالي هي ما يجب أن تكون عليه مواضيع أفلامنا، إذا أردنا أن تعبر عن جانب من التجربة على الأقل

كيف تغير العالم كل هذا التغير ولم تتغير الإشكاليات؟ هل تغير العالم حقا أم أنه كان يدور حول نفسه فقط فعاد إلى نقطة سابقة؟ وهل ينتصر القدر/ السياق على حلم عبد السيد برحيله؟ ربما لم يرحل عبد السيد لأنه ترك أفلامه معنا، أثرا يلهمنا واسئلة تسكن حاضرنا وما زالت تبحث عن إجابات، في انتظار اليوم التالي.

17 أبريل , 2026
story cover
Off
Label
Promotion Article
Off
Show on issuepdf page
Off
مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤