عن “التاء” الرابعة الغائية.. حين يتجهم الإعلام في سوريا
علي عيد
في المجتمعات الخارجة من أزمات وحروب، تطغى العناوين الثقيلة على الإعلام، حتى تتحول الرسالة إلى تكرار يشعر معه الجمهور بأنه يدفع الفاتورة كل يوم، ويجره إلى البقاء داخل حفرة نفسية تضعف رغبته في المتابعة أو الاهتمام بالشأن العام.
يتولى الإعلام نقل الأحداث في مواده وتقاريره الخبرية مستندًا إلى تاءات ثلاث: التأثير، التغيير، التقارب، لكنه يجب ألا ينسى التاء الرابعة، وهي الترفيه كأداة رفض للخضوع للماضي دون نسيانه، ودون الإصرار على تجاوزه، سواء بالمحاسبة أو التغيير.
أتصفح الصحافة وأتابع الشاشات السورية، وألاحظ غياب التاء الرابعة وجرعة الترفيه، على اعتبار أن الحياة ليست فقط قرارات كبرى وأحداثًا ضخمة، بل أيضًا لحظات صغيرة تستحق أن تُعاش، دون تفاهة أو تسفيه.
الترفيه بمعناه الواسع يلخص فكرة مفادها: أنا لست فقط ما يحدث لي. وحين يغني الناس، أو يضحكون، أو يحتفلون، فهم لا ينكرون الواقع، بل يرفضون أن يُختزلوا فيه.
أضرب مثلًا، ما قدمه الإعلام في الولايات المتحدة الأمريكية بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001، حيث استعادت برامج السخرية السياسية مثل “The Daily Show” جمهورًا مُرهقًا من التغطيات الثقيلة. وسمحت السخرية بإعادة التفكير في الحدث، لا إنكاره، واستخدم الترفيه كأداة لخفض التوتر وإعادة بناء المسافة النقدية.
وفي الحرب العالمية الثانية، كثفت الإذاعات البريطانية (مثل BBC) والأمريكية البرامج الكوميدية والموسيقية بالتوازي مع الأخبار، ليس بهدف إخفاء الحرب، بل لجعلها قابلة للعيش يوميًا، إذ استخدم الترفيه في المحتوى كوسيلة دعم نفسي، بمرافقة الخبر والتقرير.
المجتمعات المتجهمة في الحروب تميل إلى الإرهاق و”إجهاد التعاطف”، والتبلد، والانقسام، وفقدان المعنى، مع اضطراب ما بعد الصدمة، كما أن الثقة الاجتماعية تتآكل في البيئات المشحونة بالخوف والضغط.
تمتلئ الشاشات والصحف ووسائل التواصل في سوريا بالرسائل المشحونة: أزمة جديدة، توتر جديد، غلاء، خلاف، تفجير، ضحايا، ونشرة الأخبار تشبه التي قبلها، واللغة نفسها تتكرر، كأنها قالب جاهز.
بعيدًا عن ذلك، تقام الأعراس في البيوت، ويظهر شاب أو فتاة بصوت مميز في قاع وسائل التواصل الاجتماعي، هناك موسيقا خفيفة تتسلل من سيارة قديمة، أو عائلة تجلس تحت شجرة وربما أمام ركام منزلها وتضحك على شيء بسيط. كل ذلك يعكس رغبة في الحياة والاستمرار، وهو الجزء الذي يجب ألا يتجاهله الإعلام حتى لا يفقد المجتمع قدرته على مقاومة المآسي.
هناك فرق كبير بين الجدية والتجهم، الأولى تعني أن تحترم عقل الجمهور، والثاني أن تثقل عليه.
حين يقرر الإعلام أن يكون ثقيلًا طوال الوقت ينسحب الناس، لأنهم لا يستطيعون العيش في حالة إنذار دائم، ولا أحد يحتمل جرعات متواصلة من الأخبار القاتمة دون متنفس.
مع تكرار الرسالة المتجهمة يفقد الخبر تأثيره، وتصبح الكارثة رقمًا، وحين يعتاد الناس مشاهد الدم، يصبح قلب القناة عبر جهاز التحكم أمرًا في منتهى البساطة، فالجمهور يبدأ البحث عن مكان آخر، أكثر قابلية للحياة.
في علم النفس الإعلامي أو “سوسيولوجيا الإعلام” (Sociology of Media)، يفكر صانعو السياسات ببناء مقاربة مختلفة لخلق الاهتمام ومقاومة الانسحاب، مع التركيز على ألا تقابل محاولة إدخال الترفيه بالريبة، على أساس أنهما نقيضان، إما إعلام جاد وإما تافه، لأن الترفيه، بمعناه المهني، ليس نقيض الحقيقة، وقد يكون طريقًا للوصول إليها.
ولكي يكون الإعلام أكثر تمثيلًا وواقعية، فهو مطالب بتحديد هوية الجمهور واحتياجاته النفسية، حتى يصل إليه.
في سوريا مثلًا، لا يجب اعتبار الحديث عن حفل موسيقي أو أغنية جديدة أو قصيدة غزلية، وكأنه “خارج السياق”، بل هو في صلبه، إذ هناك من يغني وهناك من يرفض الموسيقا وشعر الغزل لأسباب عقدية لا تنتمي لمفهوم الدولة الحديثة، ويجب على الإعلام أن يكون شجاعًا في مواجهة ذلك، وإلا غرق الجميع في حفرة التجهم.
وحين يتجاهل الإعلام هذه التفاصيل، لا يصبح أكثر مهنية، بل أقل دقة في تمثيل الواقع.
الترفيه يلعب دورًا في جانب آخر، وهو إيصال القضايا الثقيلة دون تحويلها إلى عبء.
يمكن استخلاص محتوى بأسلوب لطيف ومشوق من التحقيق الاستقصائي أو حتى التقرير السياسي، وإلا لما اتجه الإعلام لإنهاء هيمنة الرجال على شاشات الأخبار حتى ستينيات القرن الماضي، لتبدأ مرحلة “تأنيث نشرات الأخبار”، لأهداف متعددة، منها أثر حضور المرأة غير المتجهم، و”تلطيف الخطاب العام” ((Softening of Public Discourse.. وللحديث بقية.





