عن الخوف وشرطة الفكر
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
في رواية "1984" لجورج أورويل، لم تكن الدكتاتورية مجرد نظام سياسي عابر، بل كانت عالمًا كاملًا من الخوف، والمراقبة، ومصادرة الوعي، وتحويل الإنسان إلى كائن منزوع الإرادة. ولهذا ظلت هذه الرواية تُستعاد جيلًا بعد جيل، لا لأنها تنبأت بمستقبل مظلم فحسب، بل لأنها كشفت البنية النفسية العميقة للاستبداد، حين يصبح القمع جزءًا من الحياة اليومية، وحين تتحول الوحشية إلى مشهد مألوف، بل إلى متعة عند بعض النفوس التي أفسدها الخضوع الطويل للسلطة. في أحد مشاهد الرواية، تعلّق إحدى الشخصيات على عمليات الإعدام التي كانت تجري في تلك الدولة قائلة: "كانت عملية شنق جيدة، غير أنهم، على ما أعتقد، أفسدوها بربط القدمين معًا. كنت أحب أن أراهم وهم يرفسون بها. لكن اللقطة الأكثر إثارة كانت تأتي في النهاية، وذلك حينما يتدلّى اللسان إلى الخارج وقد أصبح داكن الزرقة. إن تلك اللحظة هي التي تحوز إعجابي". هذا القول لا يكشف قسوة السلطة وحدها، بل يكشف ما هو أخطر: تشوّه الوجدان العام حين يعتاد الناس رؤية الألم، ويتحوّل الموت إلى فرجة، والضحايا إلى أرقام، والعدالة إلى أداة للانتقام. وما شهدته سوريا في ظل حكم الأسد، الأب ثم الابن، كان صورة واقعية من تلك العوالم الكابوسية؛ حيث امتلأت السجون بالأبرياء، ونُفّذت أحكام الإعدام بحق أناس لم يرتكبوا سوى أنهم قالوا لا، أو حُسبوا على رأي مخالف، أو وُضعوا في خانة الشبهة. والسؤال الذي يُلحّ اليوم: هل يمكن أن يتكرّر مشهد أورويل في سوريا القادمة، لا بالضرورة عبر السجون وحدها، بل عبر الرقابة، ومصادرة الكلمة، وتسلّط من يظنون أنفسهم أوصياء على الفكر والثقافة؟ إنّ الخوف لا يجيء دائمًا بوجه عسكري صارم، ولا يطرق الأبواب بحذاء السلطة الثقيلة وحدها؛ فقد يتسرّب أحيانًا بهدوء إلى الأمكنة التي يفترض أن تكون مأوى للحرية، وفضاء للكلمة، وملاذًا للروح. وقد يدخل من باب مؤسسة ثقافية، أو من نافذة قرار إداري، أو عبر سلطة صغيرة تتضخم حين لا تجد من يردّها إلى حدودها الطبيعية. عندئذ لا يعود الخطر في المنع المباشر وحده، بل في ذلك المناخ الخفي الذي يجعل الناس يتحسّسون كلماتهم، ويقيسون مواقفهم، ويخشون أن يكون الاختلاف تهمة، وأن تصبح المطالبة بالحق خروجًا على الطاعة. ومن هنا تبدو ممارسات اتحاد الكتاب العرب، كما يمثلها رئيسه اليوم، مدعاة حقيقية للقلق؛ فالمؤسسة التي كان ينبغي أن تكون بيتًا للكتّاب، وحامية للكلمة، وحاضنة لاختلاف الرأي وتعدد الأصوات، لا يجوز أن تتحول إلى سلطة تضيق بأعضائها، أو إلى جهاز إداري يفرح بمن يصفّق له، ويقصي من يُطالبه بالشرعية والإنصاف. فالأغلبية التي تنادي بعقد مؤتمر عام لا تطلب امتيازًا شخصيًا، ولا تفتعل خصومة عابرة، بل تتمسّك بحق طبيعي في اختيار من يرعى شؤونها ويمثل إرادتها، بعيدًا عن القرارات التعسفية وروح الاستحواذ. إن أخطر ما يواجه الثقافة ليس مصادرة النصوص فحسب، بل مصادرة المعنى الأخلاقي للثقافة نفسها؛ حين يتحول المثقف إلى تابع، والكاتب إلى موظف في خدمة الرضا، والاتحاد إلى مساحة طاعة بدلًا من أن يكون مساحة حوار. فالكتابة لا تزدهر تحت الوصاية، والوعي لا ينمو في تربة الخوف، والمؤسسات لا تستقيم بالقوة ولا بالمجاملة، بل بالشرعية، والإنصاف، واحترام إرادة أعضائها.





