عمّان في مواجهة التغيّر المناخي: كيف تغيّر تقلبات الطقس حياة الناس؟
يُلاحَظ خلال السنوات الأخيرة أن الطقس في عمّان، وفي عموم الأردن، صار أقل قابلية للتوقع وأكثر ميلًا نحو بعض الظواهر المناخية المتطرفة مثل انخفاض مستويات الأمطار وتأخرها عن مواعيدها المعتادة ثم هطولها فجأة بكثافة عالية مخلفةً أضرارًا مادية أحيانًا، أو موجات الحر الطويلة التي تثقل كاهل السكان والبنية التحتية، أو خريفًا جافًا ودافئًا أكثر من العادة. ولم تعد هذه التحولات -على ما يبدو- استثناءات عابرة، إنما غدت جزءًا من الحياة اليومية لسكان المدينة ومؤشرًا على تغيّرات عميقة في المناخ. وهي ليست منعزلة عن سياق المدينة بل تتقاطع مع توسع عمراني غير منظم، وبنية تحتية مرهقة، وتفاوت اجتماعي واقتصادي يجعل أثر هذه التحولات متفاوتًا بين الفئات الاجتماعية المختلفة.
صحيحٌ أن موضوع التغير المناخي صار أكثر حضورًا في الأجندات الرسمية والإعلامية، لكن غالبًا ما يُتناول باعتباره قضية بيئية عامة أو التزامًا دوليًا، لا بوصفه واقعًا يمسّ معيشة الناس، ما يستوجب طرح أسئلة جوهرية: كيف يُعاد تشكيل الحياة اليومية للسكان تحت ضغط التحولات المناخية؟ ومن يملك القدرة على التكيّف معها؟ ومن يُترك وحده في مواجهة المخاطر المترتبة عليها؟
في هذا السياق، أجرت ريم هلسه، المهندسة المعمارية والمتخصصة في التخطيط الحضري والمناخ، دراسةً عام 2024 لتقييم مواطن الهشاشة المناخية في عمّان، تناولت فيها الظواهر المناخية المتطرفة مثل موجات الحر والفيضانات وفترات الجفاف، وكيفية تقاطع هذه الظواهر مع التخطيط الحضري وأنماط السكن والقدرة الاجتماعية والاقتصادية لسكان عمّان على التكيّف معها. كما شاركت في إعداد البلاغ الوطني الرابع بشأن تغيّر المناخ الذي قدّمه الأردن للأمم المتحدة عام 2023، ويتضمن تقديرات وسيناريوهات حول مستقبل المناخ في البلاد.
نجري هنا حوارًا مع ريم حول ما تقوله البيانات عن مناخ عمّان اليوم، وكيف أصبح التغيّر المناخي واقعًا معاشًا، كما نتناول آثار التحولات المناخية على الصحة والعمل والروابط الاجتماعية، وخصوصية بعض الفئات الأكثر هشاشة، إضافة إلى بحث ما إذا كانت المدينة مهيأة للتكيّف مع بعض التقلبات المناخية، وما الذي يمكن فعله للتخفيف من آثارها أو مخاطرها المحتملة.
حبر: بدا الخريف الماضي مختلفًا؛ جفافٌ ودرجات حرارة مرتفعة نسبيًا، ثم وصلنا إلى منتصف تشرين الثاني تقريبًا دون أن نلمس برد الشتاء أو تهطل الأمطار، تلا ذلك هطول مطري كثيف تسبب بأضرار مادية في بعض المناطق. كيف نفهم هذا التغيّر المناخي من منظور علمي؟ وهل هو برأيك تقلّب مناخي عابر أم أننا أمام تغيّر مناخي طويل المدى؟
ريم هلسه: أود أن أبدأ بتوضيح أن مفهوم التغير المناخي ليس مفهومًا جديدًا؛ فالمناخ الاعتيادي للأرض يتغير بشكل طبيعي دون تدخل الإنسان، ويحدث هذا التغير ببطءٍ نتيجة عوامل عدة منها مثلًا تغير مدار الأرض حول الشمس والإشعاع الشمسي، إضافة إلى انبعاثات البراكين وحركة صفائح الأرض وغيرها. في السابق، لم نكن نشعر بهذا التغيير لأنه عادة ما يكون بسيطًا وبطيئًا ويحدث على مدار آلاف السنين.
أما تزايد الحديث عن التغير المناخي اليوم فسببه أن هذا التغير أصبح سريعًا جدًا. وقد بدأ التغير المناخي يتسارع منذ بدء الثورة الصناعية، مع اعتماد الإنسان المتزايد على الوقود الأحفوري، ما أدى إلى زيادة انبعاثات الغازات الدفيئة التي ترفع درجة حرارة الأرض. ونتيجة لذلك، بدأنا نشهد مظاهر التطرف المناخي، مثل الفيضانات وموجات الحر التي أصبحت اليوم أكثر حدة وكثافة، وازدادت آثارها السلبية على حياة الناس، وهذا برأيي هو الجزء الأهم؛ أي أثر التغير المناخي على حياة البشر.
لهذا السبب ظهرت اتفاقيات عالمية مثل بروتوكول كيوتو[1] واتفاقية باريس،[2] التي تناولت تقليص ارتفاع متوسط درجة حرارة الأرض إلى أقل بكثير من درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، والسعي لتقييدها عند 1.5 درجة مئوية.
باختصار، ليس التغيير المناخي وليد اللحظة، لكنه ازداد بشكل كبير بسبب الأنشطة البشرية. وبالعودة إلى السؤال، أرى أننا أمام تغيّر طويل المدى، وسنشهد تقلبات مناخية أشد وأعلى وتيرة مما شهدناه سابقًا، خاصة إذا لم تلتزم الدول بخفض انبعاثات الغازات. وعلى مستوى الأردن، نحن ملتزمون بالاتفاقيات، لكننا لسنا دولة صناعية ذات تأثير كبير على تغير المناخ، ومن هنا يجب أن نشير إلى أن أقل الدول إسهامًا في زيادة هذه الانبعاثات غالبًا ما تكون الأكثر تأثرًا بالتغير المناخي.
تشير دراستك إلى تزايد ملحوظ خلال الأعوام الماضية في الظواهر المناخية المتطرفة في عمّان كطول موجات الحر وتراجع الهطولات المطرية وغيرها. ما أبرز ما توصلت إليه الدراسة من نتائج حول هذه الظواهر؟ وما الذي تقوله لنا حول مناخ عمّان، بمعنى هل يمكن القول إننا نعيش انتقالًا ما في مناخ المدينة؟
سأنطلق من السياق الوطني. كنت قد شاركت في إعداد البلاغ الوطني الرابع للأردن بشأن تغير المناخ،[3] الذي أُطلق عام 2023، وكان يتضمن توقعات وتقديرات مناخية مستقبلية. في هذا الإطار، دُرسَت سيناريوهات مختلفة مثل الحد من الانبعاثات الكربونية أو زيادتها أو استمرارها على ما هي عليه، وجرى تحليل كيفية تأثر المناخ بكل واحد من هذه السيناريوهات، وقد عمل على هذه الدراسة مختصون ذوو خبرة واسعة في العمل المناخي ومن مجالات متنوعة ذات صلة.
توصلنا إلى أنه في الفترة ما بين 2070 و2100 سيكون المناخ في الأردن أكثر دفئًا، مع توقع زيادةٍ قدرها 1.2 درجة مئوية على متوسط درجة الحرارة. كما سيكون المناخ أكثر جفافًا، وسنشهد تكرارًا أعلى لموجات الجفاف، إضافة إلى زيادة شدتها وطول مدتها، فإذا كانت موجة الجفاف في السابق تدوم سنة واحدة -مثلًا- فمن المتوقع أن تدوم في المستقبل ثلاث سنوات متتالية أو حتى خمسًا متتالية.
كذلك، سيكون هناك انخفاض طفيف في الرطوبة النسبية، وتباين في التوازن المائي، سيتأثر به بشكل أكبر شمال المملكة، ما سينعكس أيضًا على القطاع الزراعي. أمّا بالنسبة لهطول الأمطار، فمن المتوقع أن تزداد غزارتها بينما سيقل معدل الهطول المطري السنوي، إذ ستهطل الأمطار خلال فترات زمنية قصيرة؛ وبدلًا من أن تهطل أمطار بغزارة متوسطة لمدة ساعتين مثلًا، قد نشهد أمطارًا غزيرة جدًا لمدة عشر دقائق فقط، ما سيزيد الضغط على البنية التحتية ويرفع احتمالية حدوث فيضانات. وأخيرًا، ستزداد موجات الحر من حيث الشدة والتكرار.

تشير الدراسة إلى أن التغير المناخي لم يعد مسألة بيئية فحسب، بل معيشية أيضًا. كيف ينعكس تزايد الظواهر المناخية المتطرفة على الحياة اليومية لسكّان المدينة من ناحية السكن والتنقّل والصحة العامة وحتى الروابط الاجتماعية؟
سأبدأ الإجابة بمثال، خلال شهر تموز الماضي، مررنا بموجة حر شديدة، رفعت بشكل كبير من حمل استهلاك الكهرباء والمياه في بلد يعاني من فقر المياه وارتفاع أسعار الكهرباء، ما زاد العبء الاقتصادي على الناس. كما ظهر تفاوت في قدرة الناس على التكيف مع موجات الحر نتيجة اختلاف مستويات الدخل، إذ يتجه من يملك القدرة المالية إلى الاعتماد على التكييف، الذي بدوره يزيد من الأثر البيئي ويضع أحمالًا أكبر على المباني.
بالإضافة لذلك، تسبب موجات الحر آثارًا صحية مباشرة، مثل ضربات الشمس، والتي تؤثر بشكل كبير على الأشخاص الذين يعانون من أمراض قلب وأوعية دموية. ومن الناحية السلوكية، يقل خروج الناس من منازلهم خلال موجات الحر، مع تحذيرات بعدم التعرض للشمس، ما يؤثر بدوره على الروابط الاجتماعية. فضلًا عن الأثر النفسي لارتفاع درجات الحرارة المتمثل بتوتر الحرارة. هذه بعض الأمثلة التي يمكن ملاحظتها في حياتنا اليومية.
تعتبر موجات الحر من أبرز مخاطر التغير المناخي لدينا، إلى جانب الجفاف والفيضانات والأمراض المنقولة عن طريق نواقل مثل الحشرات، وهذه العوامل مرتبطة ببعضها. فالجفاف وارتفاع الحرارة يزيدان أيضًا من انتشار الأمراض التنفسية المحمولة بالجو، كما يؤثران على التنوع الحيوي بما في ذلك النباتات والأشجار؛ ففي منطقة الجبيهة مثلًا أصابت آفات حشرية الغابات وقضت على أشجار معمرة جرّاء الارتفاع الشديد في درجات الحرارة.
أمّا الفيضانات فلها آثارها الاقتصادية المباشرة، إذ تسبب تعطّل المركبات وتضرر المساكن، خاصة التسويات المبنية تحت مستوى الطابق الأرضي. وقد شهدنا سابقًا في وسط عمان خسائر كبيرة للتجار نتيجة الفيضانات، كما أسفرت بعض السيول عن خسائر بالأرواح. بالإضافة إلى ذلك، توفر المياه الراكدة بعد الفيضانات بيئة مناسبة لتكاثر الحشرات الناقلة للأمراض، وهذه الأمراض بدورها تؤثر على الحياة الاجتماعية إذ يزداد خوف الناس من الاختلاط مع انتشار الأمراض.
وكما أشرت سابقًا، تزيد التغيرات المناخية الضغط على المياه والطاقة، وفي الوقت نفسه تقلل من كميات المياه المتاحة لدينا، ما يعني زيادة في الأسعار وتعميق غياب العدالة في التوزيع. ويتجلى هذا التقاطع أيضًا في القدرة على التكيف، إذ تكون الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية والبنية التحتية القديمة أقل قدرة على التكيف مقارنة بالأحياء الجديدة ذات الكثافة السكانية المنخفضة.
وهنا من المهم الإشارة إلى أننا -بشكل عام- لا نعاني من عدم كفاءة البنية التحتية أو ضعفها بقدر ما نعاني من غياب صيانتها، إذ تُعد الصيانة الدورية مكونًا أساسيًا من مكونات التكيف مع التغيرات المناخية.

كيف أثرت موجات الحر والجفاف والفيضانات على القطاعات المعتمدة على الطقس مثل الزراعة والبناء والمواصلات؟
قطاع المياه من أكثر القطاعات تأثرًا، إذ نشهد اليوم انقطاعات في المياه واختلالًا في توزيعها، ومن المتوقع أن يزداد هذا الانقطاع في المستقبل نتيجة الجفاف وانخفاض الهطول المطري ما سيؤدي إلى تراجع مخزوننا المائي.
هذا الواقع سيؤثر بدوره على قطاع الزراعة، الذي يتأثر أيضًا بالأحداث المناخية المتطرفة مثل الجفاف وموجات الحر والفيضانات، والتي تؤثر في الوقت نفسه على جودة التربة، إضافة إلى تغير المواسم الزراعية ما يؤدي إلى انخفاض كمية وجودة الإنتاج الزراعي، وهو ما يؤثر على الأمن الغذائي. كما سينعكس بشكل كبير على دخل المزارعين ويزيد من هشاشتهم الاقتصادية، خاصة أولئك الذين يعتمد دخلهم بشكل كامل على الزراعة. ومن المهم الإشارة هنا إلى أن قطاع الزراعة في الأردن لم يتأثر فقط بالتغير المناخي، بل تأثر أيضًا بالزحف العمراني على الأراضي الزراعية، خاصة في مدينة عمّان.
وهناك قطاعات شهدت وستشهد زيادة في الضغط عليها، من بينها قطاع الطاقة، الذي يزداد الضغط على استهلاكه لأغراض التبريد والتدفئة. كذلك يواجه القطاع الخدمي ضغطًا كبيرًا في أعمال الصيانة وفتح الشوارع وجمع النفايات الاستجابة للطوارئ، خاصة لدى أمانة عمّان -على سبيل المثال- التي ازدادت المساحة المسؤولة عنها عبر السنوات، حيث يترافق الضغط البيئي مع ضغط النمو السكاني والتوسع العمراني.
ويتأثر القطاع الصحي بشكل مباشر بكل ما سبق، نتيجة الزيادة في الأمراض التنفسية، والأمراض المنقولة، والأضرار الصحية الناتجة مباشرة عن موجات الحر والفيضانات، ما يعني ضغطًا متزايدًا على هذا القطاع.قطاع البناء أيضًا من أكثر القطاعات تأثرًا، خاصة بموجات الحر، إذ يعمل العاملون فيه تحت أشعة الشمس المباشرة، ما يجعلهم أكثر عرضة للأضرار الصحية الناتجة عنها، وينطبق الأمر نفسه على عمال النظافة.
قطاع السياحة سيتضرر بوضوح كذلك، إذ تحد الظواهر المناخية وتعيق الأنشطة السياحية.
يبدو أن آثار هذه التقلبات المناخية الحادة لا تتوزع بالتساوي على الجميع، فهناك كما جاء في الدراسة تفاوت في التعرّض لهذه التقلبات بين أحياء شرقي عمّان وغربيّها. ما هو شكل هذا التفاوت وأسبابه؟ وكيف برأيك يمكن معالجة تفاوت القدرة في التكيف مع آثار هذا التغيّر المناخي بين المنطقتين؟
لا أفضل تقسيم عمّان إلى شرقية وغربية في هذا السياق، بل أفضّل الحديث عن مجتمعات أكثر هشاشة وأقل قدرة على التكيف، أي مجتمعات أكثر عرضة لآثار التغير المناخي. فمثلًا، قد نكون في غرب عمّان لكن المنطقة تقع على مجرى سيل وبالتالي تكون معرّضة بشكل مباشر للفيضانات.
بالعودة إلى التكيف، يمكن الحديث عن دورين أساسيين: دور هندسي تقني تتولى مسؤوليته في الغالب أمانة عمّان، ودور مجتمعي. فيما يتعلق بالدور الهندسي التقني فإنه يشمل الصيانة الدورية، وتنظيف الطرق وعبّارات تصريف مياه الأمطار، والاستجابة السريعة لحالات الطوارئ. إضافة إلى خلق مساحات عامة خضراء والتي لها دور كبير في تقليل أثر التغير المناخي من جهة، وتساعد -من جهة أخرى- في التخفيف من العزلة الاجتماعية التي قد يفرضها التغير المناخي. ويضاف إلى ذلك أهمية زيادة الغطاء النباتي داخل مدينة عمّان ومحيطها، مع اختيار أنواع نباتات مناسبة لهذا الغرض.
ومن الأمثلة على مشاريع التكيف التي نفذتها أمانة عمّان، هو «مثلث الزهور الأخضر» لتخزين المياه مؤقتًا بهدف حماية مركز عمّان من الفيضانات، والحفاظ في الوقت نفسه على المياه لاستخدامها لاحقًا في الري.
أما الدور المجتمعي، فينطلق أساسًا من وعينا كسكان بحجم الخطر البيئي المحدق بنا، وإدراك أننا نعاني فعلًا من الجفاف وشح المياه ما يستدعي العمل على ترشيد استهلاكنا، وزراعة محيطنا قدر الإمكان لما له من دور كبير في التخفيف من الأثر البيئي. فضلًا عن الالتزام بأنظمة البناء والسكن المحلية التي تساهم بشكل واضح في تقليل الاستهلاك، إلى جانب التوجه نحو العزل الحراري في البيوت، سواء القائمة منها أو التي سيتم بناؤها مستقبلًا، مثل عزل الأسطح واستخدام الزجاج المزدوج العازل للنوافذ، ما سيقلل بشكل كبير من استهلاك الطاقة.
حتى في المنطقة الواحدة، يتفاوت تأثير تغيّر المناخ بين فئات المجتمع. ما الفئات الاجتماعية الأكثر تأثرًا بالتقلبات المناخية؟ وكيف يتأثر كل منها بذلك؟ وما المطلوب برأيك لحمايتهم؟
الفئات الأكثر تأثرًا هي كبار السن والأطفال والنساء الحوامل والأشخاص ذوو الإعاقة والمرضى والعمال في الشوارع والأماكن المفتوحة. ومن المهم برأيي التركيز بشكل خاص على ذوي الإعاقة، إذ إنهم في الغالب يعانون من أكثر من إعاقة، ما يجعل تأثرهم أكبر خاصة في حالات الطوارئ، ففي حال حدوث فيضان -مثلًا- تكون حركتهم بالتأكيد أصعب من غيرهم.
ينطبق الأمر ذاته على كبار السن والمرضى، حيث يقلل الاعتماد الاجتماعي والمادي من قدرتهم على الاستجابة السريعة للأزمات الطارئة، فضلًا عن زيادة تعرضهم للمضاعفات الصحية الناتجة عن التقلبات المناخية. ومن المهم الإشارة إلى أن كلًا من كبار السن والأطفال يشتركون في ضعف مناعتهم، ما يجعلهم أكثر عرضة للأمراض المنقولة، كما أن أجسادهم أقل قدرة على تنظيم حرارتها، ما يزيد حساسيتهم لارتفاع وانخفاض درجات الحرارة.
كما يزيد ارتفاع درجات الحرارة من خطر إصابة الأطفال باضطرابات في الوظائف العصبية، خاصة أن أدمغتهم ما تزال في طور النمو. ويصبح الأطفال أكثر عرضة للأمراض التنفسية، نظرًا لأن جهازهم التنفسي ما يزال في مرحلة التطور. بالإضافة إلى ذلك، يؤثر التغير المناخي على فرص الأطفال في التعليم، كما حدث خلال جائحة كورونا حين اضطررنا إلى اللجوء إلى التعليم الإلكتروني عن بُعد، وهو ما لم يكن متاحاً للعديد منهم وتسبب في فقدانهم سنوات دراسية، إلى جانب حرمانهم من التفاعل مع أقرانهم في مرحلة حاسمة لتكوين المهارات الاجتماعية.
أمّا النساء الحوامل فإن ارتفاع درجات الحرارة قد يُعرّضهن لمضاعفات الحمل مثل الإجهاض والولادة المبكرة، فضلًا عن تأثيرات سوء التغذية والجفاف على صحة الأم والجنين. عمومًا، تتأثر الصحة الإنجابية للفتيات والنساء نتيجة التغير المناخي وآثاره على التوازن الهرموني، حيث يساهم في ظاهرتي البلوغ المبكر وانقطاع الطمث المبكر.
وتحرِم الظواهر المناخية الحادة، مثل الفيضانات والجفاف، النساء من الوصول إلى المرافق الصحية الآمنة، بما في ذلك دورات المياه خلال فترة الدورة الشهرية. ويتعرّضن أيضًا لتأثيرات اجتماعية أكبر نتيجة تفكك المجتمعات المحتمل بسبب الهجرة من المناطق الزراعية إلى المدن بحثًا عن العمل، وما يرافق ذلك من انقطاع عن شبكات الدعم الاجتماعي، بالإضافة إلى الصراعات على الموارد المحدودة التي يمكن أن تؤدي إلى تفكك اجتماعي أوسع.
ماذا نستطيع أن نفعل؟ أولًا، يُعد الوعي بالوضع الصحي للأشخاص والتأثيرات المحتملة للتغيرات المناخية على كل فرد فيهم أمرًا أساسيًا. في الفترة الأخيرة صرنا نشهد تحذيرات متكررة من الخروج خلال موجات الحر أو العواصف أو أوقات الصقيع في نشرات الأخبار، ومن المهم أن نبقى على اطّلاع على هذه التحذيرات وأن نلتزم بها. كما يمكن استخدام صافرات الإنذار لفرض حظر تجول في حال لزم الأمر، بهدف حماية الناس وتقليل المخاطر.
كذلك، على الأشخاص الذين يواجهون ظروفًا صحية أن يظلوا على اتصال مستمر مع الطبيب أو الأطباء المشرفين على حالتهم، خاصة إذا لاحظوا أي تغيير في وضعهم الصحي. أما بالنسبة للعمال، فيمكن تعديل أوقات العمل لتجنب العمل خلال ساعات الذروة الحرارية، وهو أمر ممكن ومشابه لما نقوم به في شهر رمضان، أو لما تطبقه دول الخليج عندما تكون درجات الحرارة مرتفعة جدًا.
ومن جانبها، يجب أن تكون أمانة عمّان جاهزة للقيام بدورها، من خلال جاهزية البنية التحتية وغرف الطوارئ للتدخل السريع، إلى جانب استعداد المراكز الصحية للتعامل مع أي طارئ ناتج عن الظروف المناخية المتطرفة.
تذكر الدراسة ما معناه أن التوسع العمراني العشوائي زاد من هشاشة المدينة أمام التقلبات المناخية المتطرفة كالفيضانات مثلًا. كيف؟ وما الذي تحتاجه المدينة من ناحية التخطيط الحضري للتخفيف من آثار أو مخاطر هذه التقلبات؟
هناك مسارات طبيعية تتدفق المياه عبرها بين الجبال والوديان؛ فمثلًا تصب مياه الجبال المحيطة بمنطقة وسط البلد في وسط البلد، عندما نتغاضى عن هذه المسارات الطبيعية أثناء تخطيط المدينة والمشاريع العمرانية، نخسر التصريف الطبيعي للمياه وتصبح مدننا أكثر عرضة للفيضانات. لذلك، لا أؤيد -مثلًا- البناء في منطقة كوريدور عبدون، لأنه من أخفض المناطق في عمّان ما سيجعلها عرضة للفيضانات. المطلوب هو أخذ القنوات المائية الطبيعية بعين الاعتبار عند التخطيط، كما في مشروع مثلث الزهور الأخضر الذي تحدثت عنه سابقًا.
أما فيما يتعلق بموجات الحر، فنحن بحاجة إلى زيادة الغطاء النباتي، إذ إن التوسع العمراني العشوائي كان سببًا رئيسيًا في خسارتنا جزءًا كبيرًا منه ما جعل مدننا عمومًا أكثر هشاشة أمام ارتفاع درجات الحرارة.

-
الهوامش
[1] بروتوكول كيوتو هو اتفاقية دولية تاريخية ضمن اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، اعتُمدت عام 1997 في اليابان، تُلزم الدول الصناعية بتخفيض انبعاثات الغازات الدفيئة (مثل ثاني أكسيد الكربون) بشكل ملزم بنسبة 5.2% عن مستويات 1990 خلال الفترة 2008-2012، بهدف مكافحة الاحتباس الحراري، ومهّد الطريق لاتفاقيات لاحقة مثل اتفاق باريس.
[2] اتفاقية باريس للمناخ هي معاهدة دولية ملزمة قانونًا، اعتمدتها 195 دولة في عام 2015، بهدف رئيسي هو الحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض إلى أقل بكثير من درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل الصناعة، والسعي لتقييدها عند 1.5 درجة مئوية، وذلك عبر خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري وتكييف الدول مع آثار التغير المناخي، وتتضمن آليات للتمويل والمراقبة والشفافية.
[3] تقرير البلاغ الوطني بشأن تغير المناخ (National Communication on Climate Change) هو تقرير وطني تعدّه كل دولة طرف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC) لتقديم معلومات رسمية حول وضعها المناخي وسياساتها المناخية وبرامجها ومساهماتها والإجراءات المتخذة للتعامل مع تغير المناخ.





