على حافة الساعة الثامنة.. رسائل النار في مضيق هرمز
ترنو أنظار العالم، اليوم الثلاثاء، إلى واحد من أضيق الممرات البحرية جغرافياً وأوسعها تأثيراً في الاقتصاد والسياسة، إنه مضيق هرمز، ليس بسبب جنوح سفينة، أو لأن أزمة عابرة اندلعت، بل لأن لغة التهديد بلغت ذروتها بين واشنطن وطهران، حتى باتت عقارب الساعة نفسها جزءاً من المشهد الجيوسياسي.
المهلة التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم تعد مجرد إطار زمني، بل تحولت إلى اختبار إرادات.. فمن جهة، تلوّح الولايات المتحدة بخيارات عسكرية قاسية، تتجاوز الردع إلى التلويح بإلحاق دمار واسع بالبنية التحتية الإيرانية، ومن جهة أخرى، تبدو إيران متمسكة بسقف تفاوضي مرتفع، رافضة الإذعان لشروط تعتبرها انتقاصاً من سيادتها، ومقدمة في المقابل حزمة مطالب تتراوح بين رفع العقوبات وإعادة ترتيب الأمن الإقليمي.
غير أن ما يجري يتجاوز ثنائية، القبول أو الرفض، فمضيق هرمز الذي تمر عبره نسبة ضخمة من إمدادات الطاقة العالمية، ليس مجرد ورقة ضغط إيرانية، بل هو شريان حيوي للاقتصاد الدولي، وأي اختلال في تدفقه لا يخص طرفاً بعينه، بل يمتد أثره إلى أسواق النفط، وسلاسل الإمداد، وحتى استقرار العملات في دول بعيدة جغرافياً عن الخليج.

كثير من المراقبين يرون أن السيناريوهات المطروحة لما بعد “المهلة” لا تخرج عن ثلاث دوائر رئيسية. أولها، تصعيد محدود ومحسوب، قد يأخذ شكل ضربات عسكرية انتقائية ورسائل ردعية متبادلة، دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، وهذا السيناريو، رغم خطورته، يظل الأكثر انسجاماً مع تقاليد إدارة الأزمات بين الطرفين، حيث يستخدم التصعيد كأداة تفاوض لا كمدخل لحرب شاملة.
ثانيها، سيناريو الإغلاق الفعلي أو شبه الكامل للمضيق، وهو خيار يحمل في طياته تكلفة هائلة على الجميع، بما في ذلك إيران نفسها، حيث أن تعطيل هذا الشريان سيؤدي إلى صدمة فورية في أسواق الطاقة، وقد يدفع قوى دولية متعددة إلى التدخل، ما يفتح الباب أمام تدويل الأزمة على نحو غير قابل للسيطرة.
أما السيناريو الثالث، والأكثر تشاؤماً.. فهو الانزلاق إلى مواجهة إقليمية أوسع، تتداخل فيها حسابات الحلفاء والخصوم، وتتحول معها الضربات المحدودة إلى سلسلة من الردود المتدحرجة، وفي هذا المشهد، لن يبقى مضيق هرمز مجرد نقطة اشتعال، بل قد يصبح بوابة لصراع يعيد رسم توازنات المنطقة بأكملها.
ومع ذلك، ثمة سيناريو رابع لا ينبغي إغفاله، وإن بدا أقل صخباً.. وهو التراجع التكتيكي المتبادل، فالتاريخ القريب يبين أن التصعيد اللفظي الحاد غالباً ما يسبق لحظات انفتاح تفاوضي، حيث يسعى كل طرف إلى تحسين موقعه قبل الجلوس إلى الطاولة، وفي هذا الإطار، قد تتحول المهلة إلى أداة ضغط تفضي في النهاية إلى تفاهمات مؤقتة، تضمن الحد الأدنى من الاستقرار دون معالجة جذرية للأزمة.
في المحصلة، لا يبدو أن أياً من الأطراف يملك ترف الحرب الشاملة، كما لا يملك في الوقت نفسه رفاهية التراجع غير المشروط، وبين هذين الحدين، يتحرك العالم على إيقاع دقيق، حيث يمكن لخطأ صغير أو حساب خاطئ أن يبدل مسار الأحداث بالكامل.
عند دقات الساعة الثامنة، لن يكون السؤال فقط.. هل اندلعت المواجهة؟ بل أيضاً.. إلى أي حد نجح الجميع في تجنب الأسوأ؟ ذلك أن أخطر ما في هذه اللحظة ليس ما يقال علنا، بل ما قد يحدث في الهامش، حيث تتقاطع الأعصاب المشدودة مع القرارات المصيرية.
الوطن – أسرة التحرير





