على حافة الانفجار.. وساطة ثلاثية تختبر حدود الممكن بين واشنطن وطهران
تتجه الأنظار إلى تحرك دبلوماسي مكثف تقوده مصر وتركيا وباكستان، في محاولة لفتح قناة اتصال مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران خلال الساعات الـ48 المقبلة، وسط تصعيد عسكري غير مسبوق يهدد بتوسيع رقعة المواجهة في المنطقة. ووفق تسريبات متقاطعة، يجري العمل على ترتيب لقاء محتمل في إسلام آباد، في خطوة تعكس إدراكاً دولياً متزايداً بخطورة الانزلاق نحو حرب مفتوحة.
ورغم الزخم الذي تحاول الوساطة الثلاثية إيجاده، إلا أن المؤشرات الأولية توحي بأن الطريق إلى طاولة المفاوضات لا يزال وعراً، فالفجوة بين مطالب الطرفين تبدو عميقة، بل وربما أوسع مما كانت عليه قبل اندلاع المواجهة، إذ تطرح واشنطن، حسب مصادر مطلعة، مقاربة شاملة لا تقتصر على وقف إطلاق النار، بل تمتد إلى تفكيك كامل للبرنامج النووي الإيراني، وتقييد قدراتها الصاروخية، وإنهاء أدوارها الإقليمية، مقابل رفع العقوبات.
في المقابل، ترفع طهران سقف مطالبها إلى مستويات تعتبرها واشنطن “غير واقعية”، إذ تشترط رفعاً كاملاً للعقوبات، وإغلاق القواعد الأميركية في الخليج، والحفاظ على برنامجها الصاروخي، فضلاً عن تعويضات عن الأضرار التي لحقت بها خلال الحرب، وترتيبات جديدة في مضيق هرمز تمنحها نفوذاً أكبر على حركة الملاحة.

هذا التباعد لا يعكس فقط اختلافاً في الشروط، بل يكشف أيضاً أزمة ثقة عميقة، فالموقف الإيراني، كما تنقله مصادر دبلوماسية، يتسم بحذر شديد تجاه أي مبادرة أميركية، خاصة في ظل التعزيزات العسكرية التي أقرها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي تثير شكوكاً حول جدية الطرح التفاوضي، ويستحضر الإيرانيون تجربة الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي عام 2018، كدليل على هشاشة الضمانات.
في هذا السياق، تبدو الوساطة الثلاثية أقرب إلى محاولة “تجميد التصعيد” أكثر من كونها مساراً لحل نهائي، فالمقترح الأميركي بهدنة مؤقتة لمدة شهر قد يشكل أرضية أولية، لكنه يواجه تحفظات إسرائيلية تخشى من تحويله إلى اتفاق إطار فضفاض يؤجل القضايا الجوهرية.
في الأثناء، تتباين المؤشرات السياسية داخل الولايات المتحدة نفسها، إذ أظهر تصويت مجلس الشيوخ دعماً لاستمرار العمليات العسكرية، ما يمنح الإدارة الأميركية هامشاً أوسع للمضي في التصعيد، بالتوازي مع الانخراط الحذر في المسار الدبلوماسي.
إقليمياً، يتقاطع هذا الحراك مع قلق متزايد بشأن أمن الممرات البحرية، حيث أكدت السعودية أهمية حماية إمدادات الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، في ظل التهديدات التي تطول الملاحة في الخليج، كما تعكس التحركات داخل المنظمة البحرية الدولية اتجاهاً دولياً لمحاولة احتواء التداعيات الاقتصادية للتصعيد.
وبين ضغوط الميدان وتعقيدات السياسة، تقف وساطة الساعات الـ48 المتبقية أمام اختبار حقيقي: إما فتح نافذة ضيقة للحوار أو تكريس مسار التصعيد، وفي كلتا الحالتين، يبدو أن أي تفاهم محتمل لن يكون سريعاً، بل مرهوناً بإعادة صياغة موازين القوة وشروط التفاوض في واحدة من أكثر أزمات المنطقة تعقيداً منذ سنوات.
الوطن – أسرة التحرير



