عفوا أستاذة منيب
بينما كنت أتصفح مستجدات وسائل التواصل مؤخراً، وجدت نفسي أتابع -بالصدفة- حواراً حديثاً للأستاذة نبيلة منيب، القيادية في الحزب الاشتراكي الموحد وأمينته العامة السابقة، تصرح فيه بأنها لا تفهم كيف وقع زلزال الحوز (مرّت عليه اليوم قرابة 3 سنوات) في منطقة لا تُعرف بوجود احتكاك بين الصفائح التكتونية، بل وذهبت إلى حد الإشارة إلى احتمال أن يكون زلزال الحوز قد تمّ بفعل فاعل ومن خارج المغرب. فهي تعتقد -حسب تصريحها والعهدة على ناقلها- أن ارتجاج القشرة الأرضية بسبب تولد طاقة حركية ضخمة انطلاقاً من نقطة جغرافية محددة علمياً (بؤرة الزلزال)، ثم امتدادها الدائري لمسافة مئات الكيلومترات الذي تسبب في وفاة الآلاف من المغاربة (قرابة 3000 شهيد) وتدمير عدد كبير من المباني في أقاليم شيشاوة ومراكش والحوز، كل هذا لم يكن أصله طبيعياً. فهو يدخل -في نظرها- في خانة نظرية المؤامرة الخارجية التي تمارسها “القوة الإمبريالية العالمية ضد الشعوب الضعيفة أو المستضعفة”. تلك هي البنية الخطابية التي نعرفها عموماً ونتتبعها دائماً وأبداً عند الأستاذة المناضلة نبيلة منيب في خرجاتها الإعلامية المسيّسة.
وبطبيعة الحال، فإن الخطاب الفكري والفلسفي للعائلة السياسية للأستاذة منيب (اليسار الراديكالي) يستبيح هذا النوع من التوجه الذي يتبنّى نظرية المؤامرة في الكثير من القضايا السياسية من موقع الرافض لسياسات الدول الغربية الليبيرالية، وخصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها. وهذا أمر له مبرراته المقبولة في المجال السياسي؛ لذلك فإنني لست هنا بصدد تبخيس خطابها السياسي أو الانتقاص من شخصها ومكانتها الاعتبارية بصفتها شخصية سياسية وطنية نموذجية.
لكن، الإشكالية أو “الورطة” التي وضعت الأستاذة منيب نفسها فيها -هذه المرة- هو أنها قد مالت كثيراً، أو انجرفت بالأحرى، لنزعتها الإيديولوجية في تحليل الوضع السياسي الوطني والدولي على حساب البحث الدقيق في الجانب العلمي الموضوعي الذي غاب عنها تماماً في تطرقها لموضوع زلزال الحوز، رغم أنها حظيت بتكوين علمي جامعي في مجال البيولوجيا، وما أدراك ما البيولوجيا. وسوف أشرح لكم كيف ولماذا غاب عنها الجانب الموضوعي العلمي بالمبررات العلمية المجردة الثابتة التي كان لي الحظ في امتلاكها بفضل مسيرتي العلمية في الجامعة المغربية حيث حصلت على شهادة الدكتوراه في الجيولوجيا (تخصص الجيوفيزياء).
أولاً: إن الزلازل الطبيعية لا تقع فقط على مستوى مناطق احتكاك الصفائح التكتونية (بالمناسبة، توجد في القشرة الأرضية 7 أو 8 صفائح كبرى، نذكر من ضمنها مثلاً الصفيحة الإفريقية التي تحتك مع الصفيحة الأوروبية-الآسيوية على خط طولي يمتد تحت البحر الأبيض المتوسط ويمر بالقرب من الحسيمة)، وإن كانت تلك المناطق وكذلك السلاسل الجبلية لأعماق المحيطات هي الأكثر تعرضاً للزلازل. فالزلازل وقعت وقد تقع في مناطق واسعة أخرى من الكرة الأرضية ولو كانت بعيدة عن مناطق احتكاك الصفائح، ما دامت القشرة الأرضية لا تخلو من تشققات وفوالق جيولوجية (Failles) تسمح بتصريف الطاقة التي تنبع في الأصل من تدافع الصفائح التكتونية. وإلا لما كان لزلازل تاريخية كبرى أن تقع في تاريخ البشرية، مثلما وقع في فاس سنة 1624 التي دمرت عن آخرها رغم أنها لا تقع فوق حدود الصفائح التكتونية، وإنما يمر من تحتها فالق “النكور”. وكذلك كان هناك في التاريخ زلزال ليشبونة الذي وقع سنة 1755 والذي تقدّر درجته بما بين 8.5 و 9 على سلم ريشتر، رغم أن ليشبونة البرتغالية لا تقع فوق حدود الصفائح التكتونية. فما بالك بزلزال أكادير سنة 1960 وضحاياه الذين هم في الحقيقة شهداء كتب لهم الله أن يدفنوا في منطقة متكسّرة ومتشققة جيولوجياً. والأمثلة كثيرة في هذا الباب توضح لنا بالملموس أن الزلازل الطبيعية لا تقع فقط فوق الصفائح التكتونية، لكنها تقع في مناطق أخرى هي بالتأكيد متكسّرة وفيها فوالق موثقة في الخرائط الجيولوجية التي ينشرها المجتمع العلمي ويضعها في حوزة كل من يريد الاطلاع عليها، بما في ذلك زلزال الحوز الذي انطلق من نقطة يوجد بها فالق جيولوجي واضح. وبالتالي، فإن المبرر الذي جعل الأستاذة منيب تستغرب أو تشكك في كون زلزال الحوز له أصل طبيعي بسبب موقعه الجغرافي البعيد عن منطقة احتكاك الصفائح التكتونية هو مبرر واهٍ وغير ذي أساس علمي موضوعي.
ثانياً: يتم قياس قوة الزلازل في العالم كله من طرف مراكز بحث علمية معترف بها -مثلما هو حال المركز الوطني للبحث العلمي في المغرب- بدقة عالية بفضل التجهيزات التي تسمح لها باحتساب طاقة ارتجاج القشرة الأرضية وخريطة امتدادها الجغرافي المتموّج في كل أرجاء المعمور. فزلزال الحوز مثلاً تم تقدير حدته بقرابة 7 درجات على سلم ريشتر، وهي قوة خارقة تعادل انفجار 32 قنبلة نووية تقريباً. فهل يعقل في نظركم -إذا ما افترضنا وجود مؤامرة وراء وقوع زلزال الحوز، رحم الله شهداءه- أن يتم تفجير قرابة 32 قنبلة نووية على عمق 10 كيلومترات تحت سطح الأرض دون أن تنتبه لها لا السلطات المغربية ولا السكان؟ أم أن الأستاذة منيب تفترض أن منبع الانفجار قد جاء من موقع آخر (من السماء مثلاً) أم ماذا؟ ثم، هل تعلمين سيدتي الكريمة أن الموجات الحركية للقشرة الأرضية التي يفرزها الزلزال، والتي تسجّلها بيانات مراكز الرصد العالمية، تختلف جذرياً عن الموجات الحركية التي يفرزها انفجار نووي داخل باطن الأرض؟ هنا، يجدر بي التوضيح أن منحى حركية الزلزال الطبيعي له خاصية واضحة تختلف تماماً عن منحى حركية الانفجار النووي. فالزلزال الطبيعي يظهر في شكل ثلاثة أنواع من الموجات الحركية المختلفة فيزيائياً والتي لا تتباين كثيراً في حدتها وإنما تتباين في سرعتها (Ondes P, S et L)، في حين أن الحركية الناجمة عن انفجار نووي لا تفرز إلا نوعاً واحداً مهيمناً من الموجات، ألا وهي الموجة الأسرع المرتبطة بالضغط والتمدد (Onde P)، بينما باقي الموجات المرتبطة بحركة التمزق والارتجاج الأفقي (Ondes S et L) فإن حدتها تكون ضعيفة جداً في هذه الحالة. وهذه، لعمري، تعتبر بديهية من البديهيات التي يقرّ بها المجتمع العلمي، وإلا لما كانت ستمرّر عليه وأمام أعينه عملية افتعال زلزال صناعي دون علمه أو انتباهه.
على العموم، ومهما كان، لا يسعنا إلا أن نشكر الأستاذة منيب على إثارة هذا الموضوع المرتبط بعلاقتنا مع محيطنا وما يطرأ عليه من ظواهر طبيعية، تلك العلاقة التي لا يمكنها أن تكون متينة وآمنة دون اللجوء إلى العلم والمعرفة التي توضح الرؤى وتنير العقول.
The post عفوا أستاذة منيب appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.





