عضو إدارة “الأعمال السوري الألماني” يوضح لـ”الوطن” أن زيارة الرئيس الشرع إلى ألمانيا وبريطانيا بوابة لمرحلة سياسية جديدة
تمثّل زيارة الرئيس أحمد الشرع المرتقبة، إلى كل من ألمانيا والمملكة المتحدة خطوة مهمة نحو تعزيز الانفتاح الدولي وتوسيع آفاق التعاون السياسي والاقتصادي، إضافةً إلى تعزيز موقع سوريا في النظام الدولي، وبناء علاقات أكثر توازناً وفاعلية مع شركاء أوروبيين رئيسيين، بما يخدم المصالح المشتركة على المدى القريب والبعيد.
وفي هذا السياق قال الدكتور نضال ظريفة – أكاديمي وخبير تقني، عضو إدارة مجلس الأعمال السوري الألماني وعضو مؤسس في إدارة التجمع السوري في ألمانيا، لـ”الوطن”: ” تكتسب الزيارة المرتقبة للرئيس أحمد الشرع إلى ألمانيا أهمية سياسية واقتصادية لافتة، إذ لا تبدو مجرد محطة بروتوكولية، بل خطوة يمكن أن تفتح مساراً جديداً في العلاقة بين البلدين، وخاصة في ظل التحولات التي تشهدها الساحة السورية والإقليمية، وتأتي هذه الزيارة في توقيت حساس، يضع ملفات الجالية السورية، والطاقة، والاستثمار، والاستقرار الإقليمي على طاولة النقاش بين دمشق وبرلين، إضافةً إلى ملفي إعادة إعمار سوريا وعودة اللاجئين، وهما ملفان يحظيان بأعلى درجات الحساسية في الداخل الألماني والمجتمع السوري عينه.”
وبيّن الدكتور ظريفة أن من أبرز محطات الزيارة المرتقبة لقاء الرئيس الشرع مع جزء من الجالية السورية في ألمانيا، وهي جالية تُعدّ من أكبر الجاليات السورية في الخارج وأكثرها غنى بالكفاءات والخبرات العلمية والمهنية، ويُنظر إلى هذه الجالية بوصفها رصيداً بشرياً مهماً يمكن أن يسهم في ربط سوريا الجديدة بالبيئة الألمانية المتقدّمة، وأن يؤدي دوراً فاعلاً في دعم مسارات إعادة البناء ونقل الخبرات وتوسيع جسور التعاون بين البلدين.

وتوقّع أن تتناول المحادثات آليات دعم هجرة عكسية منظّمة، بحيث تستفاد الكفاءات السورية في بناء مؤسسات الدولة والقطاعات الاقتصادية، من دون أن تتطاول على أدوارها في المجتمع الألماني.
وتابع الدكتور ظريفة:” كما تبرز أهمية ملف الطاقة في هذه الزيارة، ولا سيما ما يتصل بشركة “سيمنز” الألمانية، التي تمثّل تجهيزاتها جزءاً مهماً من البنية التحتية للطاقة في سوريا، وفي هذا السياق، فإنه من المتوقّع أن يكون ملف تطوير قطاع الطاقة وتحديث محطاته وشبكاته من الملفات المحورية، نظراً لحاجة سوريا إلى إعادة تأهيل واسعة في هذا القطاع الحيوي، وإلى الخبرة الألمانية المعروفة في مجالات الهندسة والطاقة والبنى التحتية، كما يُفترض أن تُناقش إمكانية استئناف التعاون أو تطوير شراكات جديدة في مجال الطاقة، بما ينسجم مع رؤية إعادة الإعمار العامة”.
وأشار الدكتور ظريفة إلى أن برلين تظهر من جهة أخرى رغبة واضحة في لعب دور متقدّم في سوريا، انطلاقاً من قناعة مفادها أن سوريا تمتلك طاقات بشرية كبيرة يمكن أن تُشكّل عاملاً مهماً في أي عملية تعافٍ أو إعادة إعمار مستقبلية، موضحاً أن الاستقرار في سوريا لا ينظر إليه فقط من زاوية إقليمية، بل أيضاً من زاوية الأمن القومي الألماني، إذ إن أي توترات أو اضطرابات داخل سوريا تنعكس بشكل مباشر على الداخل الألماني، في ظل وجود عدد كبير من المواطنين الألمان من أصول سوريّة، وما يرتبط بذلك من تداخل اجتماعي وسياسي وإنساني.
وأشار إلى أنه وفي هذا السياق تتصاعد داخل ألمانيا النقاشات حول موضوع ترحيل بعض السوريين، خصوصاً المدانين أو المصنفين كخطرين، بعد اتفاق سابق بين وزارة الداخلية الألمانية ودمشق يهدف إلى تنظيم عمليات ترحيل منتظمة، موضحاً أن هذا التنظيم لا يقتصر فقط على المدانين، بل يرتبط أيضاً بمخاوف ألمانية من عودة جماعية للكفاءات السورية، الأمر الذي قد يخلق تهديداً جاداً لسير قطاعات حيوية في ألمانيا مثل القطاع الطبي، والرعاية الصحية، والمجالات الهندسية التقنية، والخدمات اللوجستية، لذلك تسعى برلين إلى التوفيق بين ضرورة إدارة ملف العودة من ناحية، والحاجة إلى الحفاظ على رصيد الكفاءات البشرية في الداخل الألماني من ناحية أخرى.
وقال الدكتور ظريفة: “في المقابل، ُظهر الرئيس الشرع رؤية استراتيجية تقوم على الانفتاح على الدول الصناعية المتقدمة، وفي مقدمتها ألمانيا، والاستفادة من خبراتها الرائدة في قطاعات السيارات والتعليم والتكنولوجيا، وُنظر إلى هذه القطاعات باعتبارها نماذج يمكن أن تسهم في نقل المعرفة وتطوير الاقتصاد السوري وفتح آفاق تعاون عملي يتجاوز الدعم السياسي إلى الشراكة التنموية طويلة الأمد، ومن هذا المنطلق، قد تشكل الزيارة المرتقبة نقطة تحول في مسار العلاقات الثنائية، إذا ما أحسن استثمارها سياسياً واقتصادياً وإنسانياً، خصوصاً في ملفات إعادة الإعمار، وعودة اللاجئين، وضمانات العودة الطوعية، وإدارة التحديات المرتبطة بالكفاءات البشرية.
ونوه بأن الرئيس الشرع عبر في مناسبات سابقة عن امتنانه العميق لألمانيا التي احتضنت مئات الآلاف من اللاجئين السوريين خلال سنوات الحرب، وأكد رغبته في بناء علاقة استراتيجية خاصة بين سوريا وألمانيا، تكون قائمة على المصالح المتبادلة، وتخدم الشعبين معاً، مضيفاً:” ومن هذا المنطلق، قد تُقرأ الزيارة كفرصة لاختبار مسار جديد من التعاون المنسق، يراعي الالتزامات الألمانية في الداخل، ويراعي في الوقت نفسه حاجة سوريا إلى إعادة بناء مؤسساتها واقتصادها، مع الحفاظ على روابط مستدامة مع الجالية السورية في ألمانيا والعالم”.
وشدد الدكتور ظريفة على أنه: “يمكن قراءة الزيارة المرتقبة للرئيس الشرع إلى بريطانيا لاحقاً على أنها تكملة منطقية للانفتاح الذي يسعى إليه الرئيس على الدول الأوروبية الصناعية الكبرى، بعد خطوته في ألمانيا، وتعكس العزم على توسيع دائرة الحوار مع لندن، لا لاعتبارها مركزاً مالياً وتعليمياً وتقنياً مهماً فقط، بل أيضاً لما تمثله من ثقل سياسي ودبلوماسي في القارة الأوروبية وخارجها”.
وتوقع أن تركز المحادثات البريطانية على ملفات الاستثمار، والتعليم، والتعاون الأمني، إلى جانب دور سوريا في الاستقرار الإقليمي وتأثيره على أمن دول الجوار، بما يشمل مسار العلاقات مع ألمانيا والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي.
وختم الدكتور ظريفة:” إذا نجحت هذه الزيارات في بناء مسار من التنسيق السياسي والاقتصادي بين دمشق وكبرى العواصم الأوروبية، فقد تعتبر بداية لمرحلة جديدة من العلاقات السورية مع أوروبا، تقوم على مزج بين مصالح الأمن الأوروبي، وحاجة سوريا إلى إعادة الإعمار، والدور الوسيط الذي يمكن أن تلعبه الجالية السورية في ألمانيا وبريطانيا معاً.
الوطن– أسرة التحرير




