عائدون إلى غزة: عن الرجوع إلى قطاع مدمّر
بدت البوابة أكثر انغلاقًا مما عرفه الغزيون يومًا، رغم أن قرارًا صدر بفتح معبر رفح يومها. هكذا كان المشهد صبيحة الثاني من شباط 2026، اليوم الأول لإعادة فتح معبر رفح البرّي، بعد قرابة عام ونصف من إغلاقه.
بوابة المعبر الرئيسية محاطة بسياج إضافي، مسارات محددة بحواجز حديدية، وحافلات مصطفة بعيدًا لنقل المسافرين. لم يكن الانطباع أن هذه بوابة للعبور بين بلدين، وإنما ممر أمني محكوم بطبقات من المراقبة والتفتيش والخوف. انتظار طويل وتفتيش شامل وتحقيق مع المسافرين وقائمة مسموحات محدودة وممنوعات واسعة تشمل حتى لعب الأطفال والسوائل. وفي نهاية المسار دخول إلى مدينة تغيرت ملامحها بالكامل.
على مدى شهر شباط الفائت، وقبل أن يعلن إعادة إغلاقه بالتزامن مع بدء الحرب على إيران، ثم يفتح مجددًا الأسبوع الفائت، مرّ من معبر رفح حوالي 1148 شخص، توزعوا ما بين 640 مغادرًا، و508 عائدًا، من أصل 3400 مسافر كان يجب أن يمرّوا بحسب اتفاق وقف إطلاق النار بين المقاومة والاحتلال، أي نسبة التزام تقارب 33%.
لكن خلف هذه الأرقام، كانت هناك رواية أخرى حول تفاصيل آلية عمل المعبر والظروف التي يمرّ بها العائدون إلى غزة في ظل مروهم من معبر رفح، رواية لا تتعلق فقط بعدد من دخلوا، بل بكيف دخلوا، والأهم لماذا عادوا.
خلال الأيام الأولى من فتح المعبر، تداول المسافرون عبر مجموعات على تطبيق «تلغرام» تُعنى بأخبار معبر رفح وحركة المسافرين، قائمة تعليمات مفصلة تتعلق بطريق العائدين وما ينتظرهم في الجانب الإسرائيلي. هذه التعليمات لم تصدر في بيان رسمي منشور من أي جهة دبلوماسية، ولم تعلن السفارة الفلسطينية في مصر رسميًا تفاصيل بهذا الخصوص، إلا أن العائدين أنفسهم كانوا يشيرون إلى أن هذه التوجيهات وصلتهم باعتبارها تقديرات أو إرشادات متداولة بين الراغبين في العودة، ويُعتقد أنها تستند إلى تعليمات غير معلنة تم إبلاغها بصورة غير رسمية لمن ينوون العودة إلى غزة. ورغم غياب إعلان رسمي، فإن الشهادات الميدانية للعائدين أكدت إلى حد كبير مضمون تلك التعليمات المتداولة.
التعليمات أشارت إلى أن طريق العائدين يتضمن انتظارًا طويلًا قد يمتد لساعات، يتبعه تفتيش دقيق للجميع، مع احتمال فصل بعض الأشخاص عن عائلاتهم أو المجموعة التي التحقوا بها في السفر للتحقيق المنفصل، وقد يتعرض بعضهم لتقييد أو إهانة قبل السماح لهم بالدخول.
تروي سمر،* وهي إحدى العائدات، أنها أمضت أكثر من ست ساعات تحت التحقيق، مقيدة اليدين والقدمين، مكممة العينين، ومنزوعة الحجاب، وتعرضت أثناءها للضرب.
أثناء حديثنا معها، تدخل زوجها ليطلب منها إخبارنا بسبب تعرضها للضرب، فردت عليه بالقول «عشانك، جابولي صورك وصور أحمد [ابنها]، قالولي هادا مين؟ قلتلهم زوجي، قالوا إيش بشتغل؟ قلتلهم شرطة، ولا هو مسك بوز البارودة وخبطني كمان مرة». وتضيف إن جنود الاحتلال طلبوا منها إحضار زوجها، الذي سبق للاحتلال اعتقاله، مدعين أنه شارك في عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر، لكنها ادعت إنها ليست على تواصل معه.
وفي شهادة أخرى، أفادت انتصار العكر، أن جنود الاحتلال طالبوها كذلك بتقديم معلومات حول أفراد عائلتها. «أنا ست كبيرة، أخذوني وكتفوني وغمّوا عينيا، ثلاث ساعات في التحقيق، كل شوي يطلعوني ويرجعوني تاني، يحققوا معاي: وين ابنك؟ طب وين سلفك؟ طب وين أخوك؟ وأعطيني معلومات عن إخواتك، أعطيني معلومات عن أهلك». وتضيف انتصار التي غادرت غزة قبل الحرب إن الجنود ظلوا يضربونها مطالبين بمعلومات عن ابنها، الذي لم تكن تعرف عنه أي معلومات حينها، وسرقوا ما كانت تملكه من حلي ذهبية.
«رمل غزة بسوى الناس كلها، والعالم كله»، تقول انتصار باكية. «أنا صح تغربت لكن أنا ذقت المر من كل أنواعه، والحمد لله رب العالمين اللي جمعني بإخواتي وأهلي وولادي».
بعض الشهادات تشير كذلك إلى ضغوط تتجاوز التحقيق الأمني المباشر، لتلامس خيار البقاء أو المغادرة. تقول ريم* «انعرض عليّ فلوس إنه اطلعي انتِ وأولادك برا وأنا ح أديكم فلوس وح أسفركم برا، إيش بدك في غزة اطلعي منها». وتضيف أنه بعد ساعتين من التحقيق، طلب منها الجنود أن تضغط على أهلها لمغادرة غزة.
من جهة أخرى، تضمنت التعليمات التي تداولها الغزيون قائمة محددة بالمسموحات والممنوعات، في محاولة لإعداد المسافرين لما قد يواجهونه. وبحسب ما جرى تداوله، يسمح لكل مسافر بحمل لابتوب شخصي أو تابلت شخصي، وجوال واحد فقط، وشنطة واحدة لكل شخص، إضافة إلى أدوية بكميات استعمال شخصي فقط، وتصادر الكمية كاملةً في حال كانت أكثر من كمية الاستخدام الشخصي. في المقابل، يُمنع إدخال الدخان، والأجهزة الكهربائية، ولعب الأطفال، والسوائل مثل العطور والكريمات ومستحضرات التجميل، كما يُمنع إدخال طعام مخصص للدخول إلى غزة باستثناء أكل الطريق، ويُحدد سقف نقدي لا يتجاوز 600 دولار مع كل مسافر، ويُمنع إدخال الذهب إلا ما يُرتدى للاستخدام الشخصي أو قطع خفيفة، إضافة إلى منع أي شيء يُشتبه بأنه بغرض التجارة.
هذه القوائم لم تبقَ في نطاق التوقعات النظرية، بل انعكست عمليًا في روايات العائدين. تصف فاطمة* ما جرى معها ومع أطفالها أثناء عودتهم قائلة «كل إشي ممنوع، ممنوع أكل، ممنوع مي، ممنوع عطر، ولادنا ما قدرنا نجيبلهم أي إشي نفرحهم فيه». وتقول إنه لم يسمح لهم سوى بإدخال الملابس، بحقيبة واحدة لكل شخص. «البنت الصغيرة بتقله أعطيني اللعبة، قلها اللعبة ممنوعة وأخذها منها».
إضافة لمن عاد بالفعل، راودت أسئلة العودة الكثير من الغزيين، رغم التردد الذي فرضه فقدان البيت وتغيّر ملامح المدينة. من بين هؤلاء الطالبة إيناس أبو شنب، المتواجدة حاليًا في مصر برفقة شقيقها وشقيقتها، فيما لا يزال بقية أفراد عائلتها في قطاع غزة.
تقول إيناس التي خرجت من غزة نيسان 2024 إن فكرة العودة كانت حاضرة دائمًا ببالها. «الواحد كان بيستنى بس اللحظة اللي بيعلنوا فيها إنه وقفت الحرب، أحد الأسباب اللي رجعتني [من سلطنة عمان] على مصر كانت إنه أنا بستنى يفتح المعبر علشان أرجع على غزة». وتضيف موضحة دوافعها: «ما في سبب واحد خلاني أقول إنه لازم أرجع بس دايمًا كان عندي قناعة إنه إحنا أولاد غزة ومش رح نترك غزة بأكتر وقت غزة محتاجة فيه أولادها. لو كلنا بدنا نترك البلد مش رح يضل حدا يعمرها. أكيد الظروف مش رح تكون سهلة، مش إشي تعودت عليه بس بتأقلم الواحد علشان يضل موجود في غزة يعني وما تفضي البلد من أهلها. الواحد بس بتخيل حاله واقف قدام بحرها قاعد مع الناس اللي بيحبها لحالها بتهون كل إشي سيء ممكن يكون موجود هناك».
تقول إيناس إن نقاش العودة كان يطرح من قبل أهلها وأصدقائها بشكل شبه يومي، لكن أخذ القرار فيه لم يكن سهلًا خاصة وأنها فقدت منزلها عام 2025، ما يعني أن عودتها كانت ستعيدها للنزوح مجددًا. «هذا أكثر شي كان يخليني مترددة بالرجعة».
ورغم أنها لم تحسم قرارها بعد إلا أن الفكرة تبقى مطروحة. «بحس كلنا كغزازوة سواء اللي طلع بعد السابع من أكتوبر أو اللي مغترب من قبل، كلنا عنا نفس الشعور إنه ما بنقدر نعيش برا غزة قد ما عشنا وقد ما رحنا وقد ما شفنا بلدان».
* أسماء مستعارة حفاظًا على خصوصية وسلامة أصحابها.


