اعتراف حكومي صادم بدعم المضاربين ورفع الأسعار وسط غياب لحماية القدرة الشرائية للمغاربة
في مشهد يختزل حجم الارتباك الذي تعيشه السياسات العمومية، خرج عبد الجبار الراشدي، كاتب الدولة في الإدماج الاجتماعي ورئيس المجلس الوطني لحزب حزب الاستقلال، مؤخرا بتصريح لا يثير فقط الاستغراب، بل يفتح باب الغضب الشعبي على مصراعيه، بعدما أقر بشكل صريح بأن إجراءات حكومية استثنائية استفاد منها بعض المتدخلين في قطاع الأغنام واللحوم الحمراء، دون أن ينعكس ذلك على أسعار السوق.
هذا التصريح، بدل أن يطمئن المواطنين، جاء ليؤكد ما كان يُتداول همسًا ويؤكد أن الحكومة نفسها تعترف بضخ دعماً مالياً وإعفاءات جمركية، لكن المستفيد الحقيقي لم يكن المواطن، بل فئة من الوسطاء والمضاربين، أو ما يصطلح عليهم بـ”الفراقشية”، الذين راكموا الأرباح في صمت، بينما استمرت الأسعار في الارتفاع وكأن شيئًا لم يكن.
الأخطر من ذلك، أن هذا الاعتراف لم يكن مصحوبًا بأي إحساس بالمسؤولية السياسية أو محاسبة فعلية، فكيف يمكن لحكومة أن تقر بأن أموال الدعم لم تصل إلى هدفها، ثم تكتفي بالدعوة إلى تطبيق القانون؟ وأين كان هذا القانون عندما كانت حلقات الاحتكار والمضاربة تنشط أمام أعين الجميع؟
حديث المسؤول الحكومي عن ضرورة التصدي للاحتكار والتواطؤ يبدو متأخرًا ومجرد تبرير أكثر منه خطة عمل، لأن الواقع يكشف أن هذه الممارسات لم تولد فجأة، بل نمت في ظل غياب الرقابة الصارمة، ووسط بيئة سمحت للبعض بالتحكم في السوق وفرض أسعار لا علاقة لها لا بالتكلفة ولا بالدعم الممنوح.
المفارقة الصادمة أن الوزير نفسه الذي يعترف اليوم بانحراف الدعم، يكاد يكون مجهولًا لدى شريحة واسعة من المغاربة، في وقت يفترض فيه أن يكون في واجهة الدفاع عن الفئات الهشة، لكن حضوره الخافت يقابله أثر واضح لقرارات حكومية لم تُحسن التوجيه، فكانت النتيجة متمثلة في دعم بلا أثر، وأسعار بلا سقف، ومواطن يتحمل الكلفة وحده.
وبعد هذا الاعتراف العلني، لم يعد مقبولًا الاكتفاء بالتشخيص، المطلوب هو ربط المسؤولية بالمحاسبة، وفتح تحقيق جدي في مآل هذه الامتيازات، وتحديد من استفاد منها دون وجه حق، لأن استمرار هذا الوضع لا يعني سوى شيء واحد، وهو تكريس فقدان الثقة في السياسات العمومية، وتعميق الفجوة بين المواطن ومؤسسات يُفترض أنها وجدت لحمايته، لا لتركه فريسة لمضاربات لا تنتهي.




