إعمار غزة بين الشرعية الدولية واختبار المصداقية: ومصير «مجلس السلام» ...
في لحظات ما بعد الحروب، لا تُقاس جدية المجتمع الدولي بقدرته على إصدار القرارات، بل بقدرته على تحويلها إلى مسارات عملية تُعيد بناء ما تهدّم وتُرمّم الثقة المنهارة.
ومن هذا المنطلق، برزت مبادرة "مجلس السلام" لإدارة مرحلة إعادة إعمار قطاع غزة، التي طُرحت بدفع من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، كإطار دولي يُفترض أن يجمع بين البعد الإنساني والتنظيم السياسي لمرحلة ما بعد الحرب.
وقد حظيت هذه المبادرة منذ إطلاقها بزخم سياسي ملحوظ، خاصة مع الإعلان عن تعهدات مالية قُدّرت بنحو 17 مليار دولار، إلى جانب الاستناد إلى مظلة شرعية عامة من مجلس الأمن الدولي عبر القرار رقم 2803. غير أن مسار المبادرة، كما تكشفه التطورات الأخيرة، يواجه تحديات جدية تتعلق بآليات التنفيذ، وشفافية إدارة الموارد، ومستوى الالتزام الدولي الفعلي بالتعهدات المعلنة.
في هذا السياق، برزت تقارير إعلامية تتحدث عن مصير غامض للصندوق المالي المخصص لإعادة الإعمار، بما في ذلك ادعاءات حول تحويل جزء أو كامل هذه الأموال بعيداً عن الغايات التي خُصصت لها. وحتى الآن، لا تتوافر أدلة موثقة من مصادر دولية مستقلة تؤكد هذه الادعاءات بشكل قاطع، ما يفرض التعاطي معها بحذر مهني، دون إغفال دلالاتها السياسية.
فمجرد تداول مثل هذه الروايات، بغض النظر عن دقتها، يعكس حالة من القلق المشروع إزاء غياب الشفافية الكافية في إدارة التمويل، ويطرح تساؤلات حول الحوكمة المالية وآليات الرقابة في مشروع يُفترض أنه يحظى بغطاء دولي.
من الناحية القانونية، يشكّل القرار 2803 الصادر عن مجلس الأمن الدولي إطاراً عاماً يمنح المبادرة قدراً من الشرعية، لكنه لا يتضمن بالضرورة آليات تنفيذ تفصيلية أو أدوات إلزام فعالة تضمن توجيه الموارد المالية وفق الأهداف المعلنة.
وهذه الفجوة بين الشرعية القانونية والقدرة التنفيذية تمثل إحدى الإشكاليات البنيوية في النظام الدولي، حيث تتوافر الإرادة لإصدار القرارات، دون أن تقابلها دائماً أدوات كافية لضمان تنفيذها.
أما من الناحية السياسية، فإن إدارة التمويل في مثل هذه المبادرات لا تُعد مسألة تقنية بحتة، بل هي عنصر مركزي في تحديد موازين النفوذ.
فالجهة التي تتحكم بمسارات التمويل تملك، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، القدرة على التأثير في أولويات الإعمار، وتحديد مساراته، بل وإعادة صياغة نتائجه.
وفي حال ثبوت أي انحراف في توجيه الأموال عن غاياتها الأصلية، فإن ذلك لن يُفهم باعتباره خللاً إدارياً فحسب، بل سيُقرأ بوصفه تحوّلاً في طبيعة المشروع ذاته: من إطار إنساني لإعادة البناء، إلى أداة سياسية لإدارة الواقع في قطاع غزة ضمن توازنات إقليمية ودولية معقّدة.
غير أن المقاربة الموضوعية تقتضي التأكيد على أن هذه السيناريوهات تبقى في إطار التحليل، في ظل غياب تأكيدات رسمية قاطعة. إلا أن ذلك لا ينفي وجود مؤشرات تستدعي التوقف، وفي مقدمتها غموض آليات الصرف، وتعدد الأطراف المنخرطة في إدارة المشروع، وتباين مصالحها.
وفي هذا الإطار، تبرز مسألة المصداقية كعامل حاسم في تقييم مستقبل المبادرة. فالتجارب الدولية السابقة تشير إلى أن نجاح مشاريع إعادة الإعمار لا يرتبط فقط بحجم التمويل، بل بدرجة الشفافية، ووضوح الأدوار، واستقرار الالتزام السياسي. وأي تراجع في هذه العناصر من شأنه أن يضعف الثقة الدولية، ويحدّ من استعداد الأطراف المانحة للاستمرار في الدعم.
كما أن ربط المبادرة بشخصية سياسية مثل دونالد ترامب، المعروفة باتباع نهج براغماتي قائم على إعادة تقييم المبادرات وفق المصالح المتغيرة، يضيف بعداً إضافياً من عدم اليقين، خاصة في ظل غياب ضمانات مؤسسية طويلة الأمد تفصل بين المشروع والتحولات السياسية.
بناءً على ذلك، لا يبدو أن "مجلس السلام" يواجه، في هذه المرحلة، نهاية مباشرة، بقدر ما يواجه اختباراً حقيقياً لفاعليته ومصداقيته.
فالإحتمال الأقرب يتمثل في احتمال استمرار الإطار المؤسسي شكلياً، مقابل تآكل تدريجي في قدرته التنفيذية، إذا لم تُعالج إشكاليات الشفافية والحوكمة.
في المحصلة، لا يمكن حسم الجدل الدائر حول مصير "صندوق غزة" دون توفر معلومات موثوقة وشفافة، لكن المؤكد أن نجاح أي مشروع لإعادة الإعمار يتطلب ثلاثة شروط أساسية: وضوح إدارة التمويل، استقلالية القرار عن التجاذبات السياسية، ووجود آليات رقابة دولية فعالة.
وبين التعهدات الكبيرة والتحديات الواقعية، تبقى غزة في حاجة إلى ما هو أبعد من المبادرات النظرية: إلى إرادة دولية صادقة، قادرة على تحويل الشرعية القانونية إلى واقع ملموس، ينعكس على حياة الناس، لا على خرائط النفوذ.





