... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
369508 مقال 225 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 3660 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 5 ثواني

“4 قوانين تقول نعم، وقانون واحد يقول لا”.. مرافعة في القانون والتاريخ دفاعا عن خريجي كلية الشريعة

معرفة وثقافة
مدار 21
2026/05/15 - 14:26 501 مشاهدة

في خضم الجدل التشريعي الساخن الذي تشهده لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب، تزامناً مع مناقشة التعديلات النيابية المدخلة على “مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة”، تطفو على السطح مظلمة تاريخية تأبى النسيان.

فحين صاغ علال الفاسي، زعيم الحركة الوطنية وأحد أعمق فقهاء المغرب في القرن العشرين، موقفه من إقصاء خريجي كليات الشريعة من ولوج هذه المهنة، وصف الأمر في كتابه “دفاع عن الشريعة” بعبارة قاطعة لا تحتمل التأويل: ظلم لا مبرر له. لم تكن تلك مجرد زفرة سياسي عابرة، بل كانت توثيقاً دقيقاً لخلل مؤسساتي؛ مما يثبت أن الانقسام الحالي بين مكونات الأغلبية حول فتح باب المهنة أمام هؤلاء الخريجين، هو امتداد لمظلمة تاريخية.

الجديد الوحيد اليوم، والمؤسف قانونياً، هو أن المظلمة لا تزال قائمة، ولا تزال تبحث عن إرادة تشريعية ومؤسساتية شجاعة ترفعها.

أولاً: شهادة علال الفاسي — حين يتكلم التاريخ

يروي علال الفاسي واقعة موثقة: حين طُرح الأمر في المجلس الأعلى للقرويين، سأل الدكتور محمد ابن هيمة، وزير التربية الوطنية آنذاك، رئيسَ قسم التشريع بالوزارة الحاضر معهم مباشرة: “هل هناك ما يمنع من قبول طلبة الشريعة في المحاماة؟” فكان الجواب صريحاً: بأن الأمر بالعكس وإن الظهير التأسيسي للقرويين حين منح شهاداتها مسمى الليسانس والدكتوراه أعطى لخريجيها نفس الحقوق التي يتمتع بها حاملو هذه الأسماء.”  من كتابه دفاع عن الشريعة ص225.

قانونياً، المسألة محسومة منذ عقود. لكن علال الفاسي يُضيف تشخيصاً أكثر قسوة: “ضعف وزارة العدل التي اقتنعت هي بنفس الاقتناع، حال دون تمتيع الطلبة بهذا الحق”. الاقتناع موجود، والحق مُقرّ، والإقصاء مستمر. هذه هي الصورة التاريخية التي رسمها الفاسي، وهي الصورة ذاتها التي تتكرر اليوم في سياق آخر مختلف.

ثانياً: ليست مشكلةً مغربية، إنها استثناء مغربي

ما يجعل شهادة علال الفاسي ثمينة بشكل خاص هو بُعدها المقارن المباشر. فبعد زيارته للعراق لإلقاء محاضرات في الجامعة، سأل نخبة من الشخصيات الأكاديمية العراقية: هل يحق للمتخرج من كلية الشريعة الانخراط في المحاماة؟ “فأجابوني بلسان واحد: وأي فرق بينهم وبين الآخرين حتى يحرموا من هذا الحق؟” ثم حين أخبرهم أن بعض المحامين في المغرب يعارضون هذا الحق، جاء الرد فاصلاً لا يحتمل التأويل: “هذه أنانية وحب في احتكار المهنة واحتقار للثقافة الإسلامية”.

وما كان استغراب العراقيين أمس هو ذاته ما يُثبته الواقع المقارن اليوم. فلم تقف بعض دول العالم العربي والإسلامي موقف المغرب من هذه المسألة، والمفارقة أن كل دولة اختارت مساراً مختلفاً في الحل، غير أنها جميعاً اتفقت على رفض الإقصاء.

في المملكة العربية السعودية جاء الحل تشريعياً صريحاً: نص نظام المحاماة على أن شهادة كلية الشريعة تُخوّل صاحبها التسجيل في جدول المحامين الممارسين دون تمييز، وعلى قدم المساواة التامة مع خريجي كليات الأنظمة. وفي الكويت جاء الحل من رحم التاريخ لا من صياغة قانونية جديدة: حين أُريد تعديل قانون المحاماة لحرمان خريجي الشريعة من المهنة، رفض مجلس الأمة ذلك بأغلبية 56 عضواً، مؤكداً حقاً يتمتعون به منذ ربع قرن. أما مصر فاختارت المسار الأعمق والأكثر حكمة: لم تحسم النقاش بمرسوم ولا بتصويت، بل تجاوزته من أصله حين أنشأ الأزهر الشريف كليةَ الشريعة والقانون التي تجمع في مناهجها بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي، فأسقطت الإشكال قبل أن يُطرح، وأهّلت خريجيها صراحةً للقضاء والمحاماة في آنٍ واحد.

ثلاثة نماذج وثلاثة مسارات، وخلاصة واحدة لا تقبل الجدل: لا أحد يرى في هذا الإقصاء منطقاً. المغرب وحده لا يزال يُصرّ على استثناء لا يجد له نظيراً في محيطه، ولا سنداً في تاريخه، ولا مبرراً في قانونه.

   ثالثاً: المشرع المغربي يناقض نفسه في أربعة قوانين

لا يكفي القول إن الإقصاء غير عادل؛ الأشد وقعاً من ذلك، والأكثر إحراجاً قانونياً، أنه إقصاء يضرب مبدأ التناسق التشريعي في مقتل. فكيف يبرر الرافضون هذا المنع في وقت تعتمد فيه منظومة العدالة المغربية على خريجي كلية الشريعة في أخطر مفاصلها وأدق تشعباتها؟

إن المشرع المغربي، في نصوصه النافذة حالياً، يناقض هذا الإقصاء صراحة؛ فقرارات تنظيم مباريات الملحقين القضائيين لولوج سلك القضاء تقبل شهادة الشريعة جنباً إلى جنب مع شهادة كلية الحقوق. والمادة الرابعة من القانون رقم 81.03 المنظم للمفوضين القضائيين تعادل بين إجازة الحقوق وإجازة الشريعة. والمادة الرابعة من قانون خطة العدالة رقم 16.03 تفتح باب المباراة أمام حملة الإجازة من كليات الشريعة وتضعهم في الصدارة. بل إن القانون رقم 49.00 المنظم لمهنة النساخة يجعل من هذه الشهادة شرطاً أساسياً لولوج المهنة.

أربعة نصوص تشريعية نافذة تقول بصوت واحد: ‘شهادة الشريعة مؤهِّلة قانونياً’. مشروع قانون المحاماة وحده يغرد خارج السرب ويقول عكس ذلك. والسؤال الذي لا مفر من الإجابة عنه: أيهما يُعبّر عن إرادة المشرع الحقيقية، الأربعة أم الواحد؟ وهل الأصح تشريعياً تصحيح الواحد ليتسق مع الأربعة، أم إبقاء التناقض خدمةً لمصالح فئوية مكتسبة؟

رابعاً:   المحتوى الأكاديمي المغيب عن النقاش البرلماني

يُبنى الاعتراض الرئيسي للمعارضين على مسلّمة غير مُثبتة: أن كليات الشريعة لا تُدرّس إلا الفقه والعقيدة. وقد رصد علال الفاسي هذا الوهم مبكراً حين أشار إلى أن كليات الشريعة تُعلّم “نفس المواد التي تُعطى في كلية الحقوق في قسم العلوم القانونية، بل كثيراً ما يُعلّمها في كلية الشريعة نفس أساتذة كلية الحقوق الذين يُملون على طلاب الشريعة نفس الكراسات”.

اليوم وضمن الملفات الوصفية الجديدة التي صادقت عليها وزارة التعليم العالي تتضمن برامج كلية الشريعة بأكادير وفاس مواد قانونية من قبيل: المسطرة المدنية والمسطرة الجنائية، والقانون التجاري وقانون الشركات، والقانون الإداري والقانون الجنائي الخاص، والتحكيم والوسائل البديلة لحل النزاعات، والقانون العقاري، وأخلاقيات المهن القضائية. فمثلا: ماستر الشريعة والدراسات القضائية المقارنة في كلية الشريعة بأكادير ينص توصيفه الرسمي صراحةً على هدف “إعداد الطالب إعداداً متكاملاً لمختلف مباريات المهن القانونية والقضائية”. ومثلا مسار:” الشريعة والقانون والمهن القضائية بكلية الشريعة بأكادير تدرس فيه المواد التالية في الفصل السادس : المسطرة المدنية، المسطرة الجنائية، القانون التجاري، الشركات التجارية، التوثيق وقواعد الاثبات … وقس على ذلك مسار الشريعة والقانون والمالية التشاركية ومسار الشريعة والقانون والأسرة والرعاية الاجتماعية … فهل هذه مواد فقهية أم مواد قانونية من صميم العمل اليومي للمحامي وصلب الممارسة المهنية أمام المحاكم المغربية؟

نحن إذن أمام مسارات تدريسية مُهندس أكاديمياً وبيداغوجياً لرفد المهن القانونية والقضائية بالكفاءات، ومُحصّن باعتراف صريح في أربعة نصوص تشريعية جاري بها العمل، فضلاً عن تزكيته في منظومات قضائية عربية مقارنة. وأمام هذه الحقائق الدامغة، يبدو مستغرباً جداً أن يرتفع صوت بعض أعضاء الفرق البرلمانية داخل لجنة العدل والتشريع للادعاء بأن هذه الشهادة ‘لا تكفي’.  بأي سند منطقي نُسقط مقررات جامعية رسمية تُدرس المساطر والقوانين؟ وبأي سلطة ننسف توجهات أقرها المشرع نفسه وصادق عليها هذا البرلمان في أربعة قوانين سابقة؟.

خامساً: الاسم وحده لا يصنع حقوقاً

لفت علال الفاسي إلى جوهر الإشكال في جملة واحدة تختزل كل شيء: لا نجد مبرراً لهذا المنع إلا “أن كلية القرويين تحمل اسم كلية الشريعة، بينما كلية محمد الخامس تحمل اسم كلية الحقوق”. الاسم لا المضمون، اللافتة لا البرنامج. وهذا بالضبط هو المنطق الذي ينبغي أن يُستأصل من التشريع: لا يجوز أن يُقصى طالب من حق اجتياز مباراة بسبب اسم الكلية التي تخرّج منها إذا كان تكوينها مؤهِّلاً وشهادتها معادِلة قانونيا.

سادساً: الامتحان هو الفيصل الوحيد المقبول

ما يجمع الحجج كلها في نقطة واحدة هو أن المعيار الوحيد المقبول في دولة القانون لضمان كفاءة المهنيين هو الامتحان لا الشهادة. إذا كان خريج كلية الشريعة غير مؤهل فعلاً، فستقوله ورقة الامتحان بوضوح.

ستون عاماً من الإقصاء لم تجعل المحاماة المغربية أقوى، ولم تُنتج محامين أكثر كفاءة، ولم تحمِ المتقاضين من ضعف التمثيل. أنتجت شيئاً واحداً فقط: احتكاراً مُقنَّناً يحرس نفسه بخطاب الجودة، ويُغلق أبوابه بذريعة المعايير.

مائتا خريج سنوياً في كلية الشريعة بفاس وأكادير لا يطلبون منّةً ولا استثناءً ولا معاملة تفضيلية. يطلبون شيئاً واحداً: أن يُسمح لهم باجتياز المبارة. فإن نجحوا فبجدارتهم، وإن رسبوا فبنتيجتهم. هذا هو المعيار الوحيد الذي يليق بدولة القانون. أما من يرفض حتى هذا، فلم يعد يدافع عن المهنة، إنما يحرس امتيازاً.

ظهرت المقالة “4 قوانين تقول نعم، وقانون واحد يقول لا”.. مرافعة في القانون والتاريخ دفاعا عن خريجي كلية الشريعة أولاً على مدار21.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤