36 مرتبة تقلب المشهد.. الإعلام السوري يكتب مرحلة جديدة
الوطن – أسرة التحرير
تحول لافت سجلته سوريا في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026 الصادر عن منظمة “مراسلون بلا حدود”، بعدما تقدمت 36 مرتبة دفعة واحدة لتصل إلى المركز 141 عالمياً، مقارنة بالمركز 177 في 2025، و179 من أصل 180 دولة في 2024، حين كانت تُصنّف بين الأسوأ عالمياً.
هذه القفزة، وفق مصادر إعلامية متابعة، ليست مجرد تحسن رقمي، بل تعكس تحولاً بنيوياً في البيئة الإعلامية، ولا سيما أنها جاءت بعد مرحلة طويلة من القمع المنهجي الذي طبع عهد نظام بشار الأسد، حيث تعرض الصحافيون للاعتقال والتصفية، وخضعت المؤسسات الإعلامية لرقابة صارمة، في سياق سياسات هدفت إلى احتكار الرواية العامة وتكميم الأفواه والتضييق على الحريات، هذا الأمر انعكس سلباً وتسبب في بقاء سوريا لسنوات ضمن ذيل التصنيف العالمي، باعتبارها واحدة من أخطر البيئات للعمل الصحفي.

في المقابل، فإن تقرير المنظمة الدولية (مراسلون بلا حدود) يشير إلى أن التقدم السوري في 2026 يُعد الأكبر عالمياً لهذا العام، مع تحسن ملحوظ في المؤشرات الخمسة المعتمدة في التقييم السياسي، الاقتصادي، التشريعي، الاجتماعي، والأمني، مع تسجيل قفزة خاصة في المؤشر القانوني الذي يُعد حجر الأساس في حماية العمل الإعلامي، هذا التطور يعكس انتقالاً من منظومة كانت تُجرّم الصحافة إلى بيئة تسعى لتنظيمها وفق قواعد قانونية أكثر وضوحاً.
وهنا تشير المصادر إلى أن التحول لم يكن تقنياً فحسب، بل ارتبط بتغير في المقاربة السياسية للسلطات الجديدة التي تولت إدارة البلاد بعد إسقاط النظام السابق، فقد تعهدت الجهات الرسمية بإرساء بيئة إعلامية أكثر انفتاحاً، والعمل على ضمان حرية التعبير، مع توجهات نحو صياغة إطار دستوري وتشريعي يحمي الحق في الوصول إلى المعلومات، كما برزت مؤشرات ميدانية على هذا الانفتاح، من بينها تقليص القيود المباشرة على النشر، وإتاحة هامش أوسع للنقاش العام، وإطلاق مدونات سلوك مهنية لتنظيم القطاع الإعلامي بدل إخضاعه للأجهزة الأمنية.
ويبدو من المفيد كذلك الإشارة إلى أن انعكاسات هذا التحول بدأت تتجاوز الوسط الصحفي لتطول المجتمع ككل، فتعزيز حرية الإعلام يسهم في ترسيخ الشفافية والمساءلة، ويدعم ثقة المواطنين بالمؤسسات، ويخلق فضاءً عاماً أكثر تعددية، كما أن تحسن موقع سوريا في المؤشرات الدولية ينعكس إيجاباً على صورتها الخارجية، ويفتح المجال أمام شراكات إعلامية واستثمارية أوسع.
مع ذلك، لا يزال التحدي قائماً في تثبيت هذا التقدم وتحويله إلى مسار مستدام، خاصة في ظل إرث ثقيل من القوانين المقيدة وثقافة الرقابة، إلا أن الأرقام التي سجلها مؤشر 2026 تشير بوضوح إلى أن سوريا دخلت مرحلة جديدة، عنوانها الانتقال من بيئة معادية للصحافة إلى أخرى قيد التشكل، تُبنى فيها حرية الإعلام كجزء من إعادة تأسيس الدولة ومؤسساتها.





